ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٢٥ - ٣٠٤ - و أكمل منه عبد شرب فازداد صحوا، و غاب فازداد حضورا، فلا جمعه يحجبه عن فرقه، و لا فرقه يحجبه عن جمعه، و لا فناؤه يصده عن بقائه، و لا بقاؤه يصده عن فنائه، يعطي كل ذي قسط قسطه، و يوفي كل ذي حق حقه
مشغول بالحس مثلا، و باطنهم معمور بالمعنى. يعطون كل ذي حق حقه فيعطون الحقيقة حقها بشهود الحق في الباطن، و الشريعة حقها باستعمال الجوارح في حقوقها في الظاهر، و يوفون كل ذي قسط قسطه، فيوفون الناس قسطهم من الإحسان و الحق حقه في توحيده بالجنان. أو تقول: أفردوا الحق بالإنعام و شهود الإحسان، و أثنوا على الوسائط باللسان، أو تقول: أعطوا الربوبية حقها بشهود الإحسان منه وحده، و أعطوا الخليقة حقها بشكر الواسطة إقامة لرسم العبودية. و الحاصل: أن هذا المقام هو كما قال الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه الجمع في باطنك مشهود، و الفرق على لسانك موجود. تنبيه: قد رأينا كثيرا من الناس يترامون على هذا المقام الكامل من غير صحبة و لا جذب، و يزعمون أنه يصلون إليه بإتقان علم الشريعة و عملها و هو غلط، إذ لا سبيل إلى هذا المقام إلا بمروره على المقام الذى قبله و هو الجذب، و الاختطاف من شهود الأكوان إلى شهود المكوّن، و لا بد من سكر ثم صحو، و جذب ثم سلوك، و جمع ثم فرق، و فناء ثم بقاء. نعم قد يكون بعض الأفراد أقوياء يجذبون إلى حضرة الحق مع مشاهدة الخلق و يسيرون بين جذب و سلوك كما تقدم في الطريقة الشاذلية و أمثالها. و أما من لم يصحب العارفين الذين سلكوا هذه المقامات فلا يطمع في نيل هذا المقام أبدا إلا الفرد النادر الذي لا حكم له، و اللّه تعالى أعلم.
ثم استدل على المقام الثاني و هو الجذب و الفناء، و الثالث و هو الصحو و البقاء بقضية السيدة عائشة مع أبيها في قضية الإفك فقال:
[و قال أبو بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه لعائشة رضي اللّه عنها لما نزلت براءتها من الإفك على لسان رسول اللّه: اشكري رسول اللّه، فقالت: و اللّه لا أشكر إلا اللّه].
قلت: قضية الإفك مشهورة مذكورة في سورة النور تولى شرحها أهل الظاهر إلا أن ظاهر كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه أن القائل لها هو أبوها، و الذي في