ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٨٣ - ٦٨ - قوم أقامهم الحق لخدمته، و قوم اختصهم بمحبته كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ما كان عطاء ربك محظورا الإسراء ٢٠
الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء: ٨٣]، يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤]، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [التوبة: ١١٨]، فالعناية سابقة، و الهداية لا حقة، و الأمر كله بيده، و في التحقيق ما ثم إلا سابقة التوفيق، و لا حول و لا قوة إلا باللّه.
قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه: أكرم المؤمنين و إن كانوا عصاة فاسقين، و أقم عليهم الحدود، و اهجرهم رحمة بهم لا تقذرا لهم.
و قال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه: فالمنتسب لجانب الحق يتعين إكرامه مراعاة لنسبته ثم إن كان كاذبا، فالأمر بينه و بين من انتسب إليه، فإن أمرنا بإقامة حقه عليه بحيث يتعين عليه كنا معه كعبد السيد يضرب ولد سيده بإذنه يؤدبه، و لا يحتقره، و لأبي الحسن الحرالى[١] رحمه اللّه:
|
ارحم بنيّ جميع الخلق كلّهم |
و انظر إليهم بعين اللّطف و الشّفقه |
|
|
وقّر كبيرهم و ارحم صغيرهم |
وراع في كلّ خلق حقّ من خلقه |
|
ثم إن الإقامة على دوام الأوراد و هي خدمة الجوارح من شأن أهل الخدمة و هم العباد و الزهاد، و الانتقال منها إلى عمل القلوب من شأن أهل المحبة و المعرفة و هم العارفون، و كلهم عباد اللّه و من أهل عنايته، فلا يستحقرهم إلا جاهل أو مطرود كما بين ذلك بقوله:
٦٨- قوم أقامهم الحقّ لخدمته، و قوم اختصّهم بمحبّته: كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَ هَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَ ما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً [الإسراء: ٢٠].
قلت: العباد المخصوصون بالعناية على قسمين: قسم: وجههم الحق لخدمته و أقامهم فيها و هم أنواع: فمنهم من انقطع في الفيافي و القفار لقيام الليل و صيام النهار و هم العباد و الزهاد، و منهم من وجهه الحق لإقامة الدين و حفظ
[١] - بالمطبوع: الحراني.