ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٧٨ - فما كل مصل مقيما
و آله و سلم، فالمصلون كثير و المقيمون قليل، فأهل الأشباح كثير و أهل القلوب قليل. قال أبو بكر بن العربي المعافري رحمه اللّه: و لقد رأيت ممن يحافظ عليها آلافا لا أحصيها، فأما من يحافظها بالخشوع و الإقبال فما أستوفي منهم خمسة.
و قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه: كل موضع ذكر فيه المصلون في موضع المدح فإنما جاء لمن أقام الصلاة إما بلفظ الإقامة أو بمعنى يرجع إليها، قال اللّه سبحانه: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ [البقرة: ٣]، رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ [إبراهيم: ٤٠]، وَ إِقامَ الصَّلاةِ [الأنبياء: ٧٣]، وَ الْمُقِيمِي الصَّلاةِ [الحج: ٣٥]، و لما ذكر المصلين بالغفلة قال: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ [الماعون: ٥، ٤]، و لم يقل فويل للمقيمين الصلاة انتهى. و اعلم أن الخشوع في الصلاة على ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: خشوع خوف و انكسار و إذلال، و هو للعباد و الزهاد. المرتبة الثانية: خشوع تعظيم و هيبة و إجلال، و هو للمريدين السالكين. المرتبة الثالثة: خشوع فرح و سرور و إقبال، و هو للواصلين من العارفين، و يسمى هذا المقام قرة العين كما يأتي إن شاء اللّه. ثم اعلم أن الصلاة التي لا يصحبها خشوع و لا حضور هي باطلة عند الصوفية غير مقبولة عند العلماء، و قالوا ليس للعبد من صلاته إلا ما حضر فيها قلبه؛ فقد يكون له ربع صلاته أو نصفها بقدر ما حضر فيها، و يعين على الخشوع: الزهد في الدنيا و هذا هو الدواء الكبير، إذ محال أن تكون عندك بنت إبليس و لا يزورها أبوها، فلا يتأتّى الخلوص من الخواطر ما دامت في القلب و قليلها هو كثيرها، فمن بقيت فيه بقية منها فإنه تأتيه الخواطر على حسبها، فمحال أن تكون شجرة الدنيا في قلبك و تسلم من الخواطر. و مثال ذلك كشجرة عندك في بستان يجتمع عليها الطيور و يهولونك بأصواتهم، فكلما شوشتهم رجعوا فلا ينقطعون عنك أبدا حتى تقطع تلك الشجرة، فإذا قطعتها استرحت من أصواتهم، فكذلك