ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٤٦ - ٣٣٠ - إلهي أنا الفقير في غناي، فكيف لا أكون فقيرا في فقري؟
عما سواه من الحظوظ و المكانة و عزازة القدر عند اللّه، ما يكل عن وصفه اللسان، و يعجز عن حمله واسع الجنان. قال سهل بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه: ما أظهر عبد فقره إلى اللّه تعالى في الدعاء إلا قال له الحق لبيك، لكنه لا يستطيع سمع ذلك. و قد تقدم كلام اللّه تعالى في بعض الكتب المنزلة، يقول اللّه تعالى: «ما رفع عبد حاجته إلي دون خلقي أعلم ذلك من نيته فتكيده السموات السبع و الأرضون السبع إلا جعلت له فرجا و مخرجا من أمره». أو كما قال.
و قال أبو القاسم القشيري: من أشار إلى اللّه ثم رجع بحوائجه إلى غيره أفقره اللّه إلى الخلق، ثم نزع له الرحمة من قلوبهم، و من شهد محل افتقاره إلى اللّه و رجع بحوائجه إليه أغناه اللّه من حيث لا يحتسب، و أعطاه من حيث لا يرتقب. قيل لبعض المحققين: أيطلب العبد الرزق؟ قال: إن علم أين هو فليطبه، قال: قيل أيسأل اللّه؟ قال: إن علم أنه نسيه فليذكره، قيل: أيتوكل على اللّه؟ قال: إن كان في شك فليختبره، قيل: فأي شيء يعمل؟ قال: ما أمره. انتهى. فليثق العبد بربه و ليشتغل بما أمر به، و ليكن كما قال بهلول المجنون: نعبده كما أمرنا، و هو يرزقنا كما وعدنا. و لا يتعلق بمخلوق أصلا قلبا و لا قالبا، و ليمح الخواطر التي تخطر بباله من هذا المعنى، قبل أن تستحكم فيه فيعاقب بالحرمان، و يرمي بالخذلان. قال إبراهيم الخواص رضي اللّه تعالى عنه: تهت في البادية حتى ضرني الحال، فسمعت نباح كلب فأصغيت إليه و أخذت نحوه، فإذا بلص قد صفعني، فقلت في نفسي: هذا جزاء من توكل على مخلوق، فقيل لي في سري: يا إبراهيم ما دمت في خفارتنا أي جوارنا و عهدنا كنت عزيزا، فلما دخلت في خفارة كلب سلط عليك الخلق، فتبت إلى اللّه تعالى، و إذا بالذي صفعني قد سقط عن جرف و طار رأسه انتهى. و أنشدوا:
|
مددت يدي أرجو نوالا و رحمة |
و مالي شفيع غير جودك و الرجا |
|
|
فجد لي بعفو منك و ارحم تذللي |
فأنت الذي أعطيتني الفقر و اللجا |
|