ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٣٩ - ٤٧ - لا تترك الذكر لعدم حضور قلبك مع الله فيه لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره، فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة، و من ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور، و من ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع غيبة عما سوى المذكور
لمعروف الكرخي، ثم معروف للسري، ثم السري للجنيد، ثم انتقلت إلى أرباب التربية، فلا مدخل على اللّه إلا من باب الذكر، فالواجب على العبد أن يستغرق فيه أوقاته و يبذل فيه جهده، فإن الذكر منشور الولاية و لا بد منه في البداية و النهاية، فمن أعطي الذكر فقد أعطي المنشور، و من ترك الذكر فقد عزل و أنشدوا:
|
و الذّكر أعظم باب أنت داخله |
للّه فاجعل له الأنفاس حراسا |
|
فبقدر ما يفنى في الاسم يفنى في الذات، و بقدر ما يتفتّر في الفناء في الاسم يكون متفتّرا في الفناء في الذات، فليلتزم المريد الذكر على كل حال و لا يترك الذكر باللسان لعدم حضور قلبه فيه، بل يذكره بلسانه، و لو كان غافلا بقلبه، فإن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره، لأن غفلتك عن ذكره إعراض عنه بالكلية، و في وجود ذكره إقبال بوجه ما، و في شغل اللسان بذكر اللّه تزيين جارحة بطاعة اللّه، و في فقده تعرض لاشتغالها بالمعصية.
قيل لبعضهم: ما لنا نذكر اللّه باللسان و القلب غافل؟ فقال: اشكر اللّه على ما وفق من ذكر اللسان، و لو أشغله بالغيبة ما كنت تفعل؟ فليلزم الإنسان ذكر اللسان حتى يفتح اللّه في ذكر الجنان، فعسى أن ينقلك الحق تعالى من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة، أي انتباه لمعاني الذكر عند الاشتغال به، و من ذكر مع يقظة إلى ذكر مع وجود حضور المذكور و ارتسامه في الخيال حتى يطمئن القلب بذكر اللّه، و يكون حاضرا بقلبه، مع دوام ذكره و هذا هو ذكر الخواص، و الأول ذكر العوام، فإن دمت على ذكر الحضور رفعك إلى ذكر مع الغيبة عما سوى المذكور، لما يغمر قلبك من النور، و ربما يعظم قرب نور المذكور فيغرق في النور حتى يغيب عما سوى المذكور، حتى يصير الذاكر مذكورا و الطالب مطلوبا، و الواصل موصولا، وَ ما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [فاطر: ١٧]، أي بممتنع فقد يرفع في أعلى الدرجات من كان في أسفل