ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٣٦ - ١٥٠ - ربما أفادك في ليل القبض ما لم تستفده في إشراق نهار البسط، لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا
١٤٩- إذا أردت أن ينفتح لك باب الرجاء فاشهد ما منه إليك، و إذا أردت أن ينفتح لك باب الخوف فاشهد ما منك إليه.
قلت: إذا أردت أيها الإنسان أن يتقوى رجاؤك في الكريم المنان فاشهد ما منه إليك من الإحسان، و اللطف و المبرة و الامتنان، فهل عودك إلا حسنا؟ و هل أسدي إليك إلا مننا؟ عليك بسط منته، و لك هيأ جنته، أنعم عليك في هذه الدار بغاية الإنعام، و ما قنع لك بذلك حتى أعد لك دار السلام باقية مستمرة على الدوام، ثم أتحفك بالنظر إلى وجهه الكريم، تماما على سابق إحسانه القديم، و إذا أردت أن ينفتح لك باب الحزن و الخوف، فاشهد ما منك إليه من الإساءة و التقصير في العبادة، أو من موافقة الشهوة و الاسترسال مع الغفلة، فإنك إن شهدت ذلك دام حزنك و قوي خوفك، و ربما كان سببا في سوء ظنك بربك، فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها [النحل: ٩٤]، و في الحديث: «لو لم تذنبوا لذهب اللّه بكم و جاء بقوم آخرين يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم و هو الغفور الرحيم[١]»، فدل الحديث على أن شهود الكرم أفضل عند اللّه من شهود الانتقام، و خصلتان ليس فوقهما شيء من الخير: حسن الظن باللّه، و حسن الظن بعباد اللّه، و خصلتان ليس فوقهما شيء من الشر: سوء الظن باللّه، و سوء الظن بعباد اللّه، كما في الحديث، و بقيت مرتبة ثالثة و هي الغيبة عن الرجاء، و الخوف بشهود ما من اللّه إلى اللّه، و هو مقام أهل الشهود فلذلك اعتدل أمرهم في جميع الأحوال، نفعنا اللّه بذكرهم آمين.
ثم إن ثمرة الرجاء و نتيجته البسط، و ثمرة الخوف و نتيجته القبض، فلذلك ذكره بعدهما، فقال:
١٥٠- ربّما أفادك في ليل القبض ما لم تستفده في إشراق نهار البسط، لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً.
قلت: القبض و البسط حالتان يتعاقبان على الإنسان كتعاقب الليل و النهار، فالليل محل السكون و القرار، و النهار محل التحرك و الانتشار، القبض لا حظّ فيه للنفس، و البسط تأخذ
[١] - تقدم تخريجه.