ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٨٣ - ١٨٢ - تسبق أنوار الحكماء أقوالهم، فحيثما صار التنوير وصل التعبير
فهؤلاء إذا عبروا عما منحهم اللّه من المعارف و الأسرار و العلوم و الأنوار و الكرامات و الفتوحات و المواهب، و ذكروا فأمروا و نهوا دام تعبيرهم، و نفع تذكيرهم، فإذا أساءوا لم تصمتهم إساءتهم لأن إساءتهم من أنفسهم، و تعبيرهم من بساط إحسان اللّه إليهم، و إحسانه لا يكدره شيء، و قولنا: من أنفسهم أعني أدبا فقط، إذ هم لا يشهدون إلا تصريف الحق فيهم، فلذلك لم تصمتهم إساءتهم لأنهم مغموسون في بحر المنة، لا يشهدون في الكون سواه، و أيضا من عبر من بساط نفسه نادته مساوئه اسكت، أما تذكر فعلك القبيح، و وصفك الذميم، فيسكت خجلا، و من عبر من بساط إحسان اللّه غابت عنه مساوئه لغيبته في محاسن مولاه، فلا يشهد إلا إياه، فإذا أراد أن يعبر سبق نور معرفته إلى قلوب عباده، فيسري فيهم التعبير، و يأخذ بقلوبهم التذكير، كما أبان ذلك بقوله:
١٨٢- تسبق أنوار الحكماء أقوالهم، فحيثما صار التنوير وصل التعبير.
قلت: الحكماء هم العارفون باللّه الذين يتكلمون باللّه، و يصمتون باللّه، غائبون عن أنفسهم يشهدون ما من اللّه إلى اللّه، فإذا أرادوا أن يعبروا عما منحهم مولاهم من العلوم و المعارف سبق نور شهودهم إلى القلوب المستمعة، فتسرى فيهم على قدر صدقهم، فمنهم من يدخل النور سويداء قلبه، و منهم من يقف النور على ظاهر قلبه، و منهم من يشرق النور على طرف قلبه، فإذا عبر العارف عن المقامات و الأحوال وصل التعبير على قدر سريان النور، فمن وصل النور إلى سويداء قلبه نهض من ساعته إلى ربه، و من وصل إلى ظاهر قلبه خشع و خضع و عزم على البر و التقوى، و من وصل إلى طرف قلبه عرف الحق و صدق، فحيثما صار التنوير وصل التعبير، و قولنا في تفسير الحكماء هم العارفون مأخذنا فيه، قوله ٧: «رأس الحكمة مخافة اللّه[١]» انتهى. و أعرف الناس باللّه أشدهم له خشية، و فيهم قال اللّه تعالى: إِنَّما يَخْشَى
[١] - رواه القضاعي في الشهاب( ١٠/ ٦٤)، و ذكره العجلوني في كشف الخفاء( ١/ ٣٧٢).