ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٨٩ - ٧٠ - من رأيته مجيبا عن كل ما سئل، و معبرا عن كل ما شهد، و ذاكرا لكل ما علم، فاستدل بذلك على وجود جهله
هذه الأمور أذواق باطنية و أسرار ربانية لا يفهمها إلا أربابها فذكرها لمن لا يفهمها و لا يذوقها جهل بقدرها، و أيضا هي أمانات، و سر من أسرار الملك، و سر الملك لا يحل إفشاؤه، فمن أفشاه كان خائنا و استحق الطرد و العقوبة، و لا يصلح أن يكون أمينا بعد ذلك، فكتم الأسرار من شأن الأخيار، و هتك الأسرار من شأن الأشرار، و قد قالوا: قلوب الأحرار قبور الأسرار، و قال الشاعر:
|
لا يكتم السرّ إلا كلّ ذي ثقة |
فالسرّ عند خيار النّاس مكتوم |
|
و في إفشائها قلة عملها و نفعها في الباطن، ففائدة هذه الأحوال و الواردات الإلهية هي محو الحس و إظهار المعنى، أو محو الشك و تقوية اليقين، فإذا أفشاها ضعف إعمالها و قلّت نتيجتها، و الخير كله في الكتمان.
في الحديث: «استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها[١]»، أو كما قال ٧، و ينخرط في سلك الأحوال التي يجب كتمانها خرق عوائد النفوس، فمن خرق عادة في نفسه فلا يفشي ذلك لغيره، فإن في ذلك دسيسة لها، لأنها تحب أن تذكر بالقوة و النجدة، فيكون كلما قتل منها شيئا أحياه في ساعته، و فيه أيضا نقص الإخلاص، و إدخال الرياء، و هو سبب الهلاك و العياذ باللّه. و أما وجه جهله في كونه ذاكرا لكل ما علم من الحقائق و العلوم و المعارف، فلأنه جهل قدرها و استخفّ شأنها، فلو كانت عنده رفيعة عزيزة ما أفشاها لغيره؛ إذ صاحب الكنز لا يبوح به، و إلا سلبه من ساعته.
و انظر قول شيخ شيوخنا المجذوب رضي اللّه تعالى عنه:
|
احفر لسرّك و دكّو |
في الأرض سبعين قامه |
|
|
و خلّ الخلائق يشكوا |
إلى يوم القيامه |
|
[١] - رواه الطبراني في الصغير( ٢/ ٢٩٢)، و أبو نعيم في الحلية( ٥/ ٢١٥)،( ٦/ ٩٦).