ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٩٥ - ١٩٠ - لا تمدن يدك إلى الأخذ من الخلائق إلا أن ترى أن المعطي فيهم مولاك، فإن كنت كذلك فخذ ما وافقك العلم
و قد سأل النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم لأصحابه حين قدموا عليه عراة، و يدخل في المندوب ما كان لرياضة النفوس حيث لم يخف عليه كما تقدم. و أما المكروه: هو أن يسأل لقوت البشرية مع القدرة على الاستغناء عنه بسبب من الأسباب، و هذا ما لم ينقطع للعبادة و يتجرد إلى الذكر، و أما المنقطع إلى اللّه فلا بأس به، و قد فعله كثير من العارفين المحققين.
فقد كان أبو جعفر الحداد و هو شيخ الجنيد يسأل بابا أو بابين أو ثلاثا بين العشاءين، فكانت العامة تتعجب منه أولا ثم عرف بذلك، فكان لا يعبييه عليه العامة و لا الخاصة مع جلالة قدره، و علو معرفته بربه. و كان الشيخ أبو سعيد الخراز إذا اشتدت به الفاقة يمد يده و يقول: من عنده شيء للّه؟ و كان إبراهيم بن أدهم معتكفا بجامع البصرة، و لا يفطر إلا من ثلاثة أيام إلى ثلاثة أيام، يخرج بعد صلاة المغرب يطلب على الأبواب فطره. و كان سفيان الثوري رضي اللّه تعالى عنه يسأل الطعام للّه، فإن فتح بكثير أخذ كفايته و ترك الآخر، و أكثر الرجال على هذه الحال قطعوا الدنيا الفانية لإيثارهم الأخرى الباقية، و كل ذلك لا يقدح في شريعة و لا حقيقة، و لا يطفئ نور المعرفة، و قد أشار ابن البناء إلى هذين القسمين أعني المندوب و المكروه، فقال:
|
و كرهوا سؤاله لنفسه |
ثم أباحوه لأجل جنسه |
|
|
و لم يعدّوه من السؤال |
لكن من العون على الأعمال |
|
|
إذ كان خير الخلق في أترابه |
يسأل أحيانا إلى أصحابه |
|
و أما المباح: فهو أن يسأل الحاجة الغير ضرورية كسؤاله لقضاء دينه، أو ما يزيد على ستر عورته و سد رمقه، أو غير ذلك مما ليس بضرورة لكنه حاجيّ: أي محتاج إليه. و أما المحرم: فهو أن يسأل تكثرا أو زيادة على ما يكفيه، و في الحديث: «من له أربعون درهما فالسؤال عليه حرام[١]»، و فيه ورد الحديث: «إنّه يبعث يوم القيامة و ليس في وجهه مزعة لحم[٢]».
[١] - لم أقف عليه بهذا اللفظ.
[٢] - رواه البخاري( ٢/ ٥٣٦)، و مسلم( ٢/ ٧٢٠).