ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٩٦ - ١٩٠ - لا تمدن يدك إلى الأخذ من الخلائق إلا أن ترى أن المعطي فيهم مولاك، فإن كنت كذلك فخذ ما وافقك العلم
و من المحرم أيضا ما فيه إلحاح و إضرار بالمسئول، قال تعالى: لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً [البقرة: ٢٧٣]. قلت: و أما ما يفعله بعض أصحابنا من صورة الإلحاح بنا فإنما قصدهم بذلك قتل نفوسهم بما يسمعون من المسئول في جانبهم، و لا يفعلونه إلا مع من يعرف عندهم بالإنكار، فيستخرجون منه الحلال اختبارا لأنفسهم، و قد يقصدون بذلك تحقيق الإخلاص و سترا للحال، فيظهرون الرغبة و هم من أزهد الناس تحقيقا للاكتفاء بعلم اللّه، و ما كان ذلك إلا في حال قوتهم و جذبهم فالسكر غالب عليهم، هذا ما حققته منهم، و قد انقطع ذلك كله اليوم، فما بقي إلا أهل الصفاء و أهل الوفاء. و سبب دخول السؤال في هذه الطائفة أن شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل العمراني رضي اللّه تعالى عنه كان له جاه و وزارة و رياسة في فاس، فلما دخل في يد الشيخ و رأى صدقه و جده قال له: أرى لك خمرة لم يقدر عليها أحد قبلك، و لو لا ما رأيت فيك من الصدق و الجد ما دللتك عليها، قال: و ما هي يا سيدي؟ فقال:
السوق للسؤال، هكذا سمعته من بعض الإخوان. و الذي رأيته في كتابه أنه قال له: يا ولدي أراك تطلب هذا العلم و لا تنال منه ما تريد إلا بالذل، فدخل فيه و سكن إلى مماته، فلما ذاق سره و رأى ما فيه من الأسرار، و ما يقطع به المريد في سيره من المفاوز و القفار سير أصحابه عليه، و دلهم على استعماله، فكان أصل مشروعيته قتل النفوس، لا قبض الفلوس، فمن استعمله لقتل النفوس، و لج حضرة القدوس، إذ ما حجبنا عنها إلا حياة النفوس، و من استعمله لقبض الفلوس نال الشقاء و البؤس، و ينبغي أن يكون في حال السؤال يده مشيرة إلى الخلق و قلبه معلق بالحق، قال في «المباحث»:
|
و أدب الصوفيّ عند المسأله |
أن يدخل السوق إليه يسأله |
|
|
لسانه يشير نحو الخلق |
و قلبه معلّق بالحقّ |
|
و قد ذكر ابن ليون التجيبي السؤال، و بيّن أصله، و ذكر مسألة الزنبيل، و كيفيته أن يتوضأ الرجل و يصلي ركعتين و يأخذ الزنبيل، يعني وعاء بيده اليمنى، و يخرج إلى السوق و معه رجل آخر يذكر اللّه و يذكر الناس، و الناس يعطونه في ذلك الزنبيل حتى يجمع ما تيسر من الطعام و يصبه بين الفقراء، فيأكلون طعاما حلالا بلا تكلف و لا كلفة، هذا ما تيسر لنا في حكم