ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٤٧ - ٣٣١ - إلهي أنا الجاهل في علمي، فكيف لا أكون جاهلا جهولا في جهلي؟
ثم إن الفقر و الجهل من أوصاف العبودية، كما أن الغني و العلم ممن أوصاف الربوبية، فلما أدلى بفقره إلى غنى مولاه، أدلى بجهله إلى سعة علم مولاه، فقال في المناجاة الثانية:
٣٣١- إلهي أنا الجاهل في علمي، فكيف لا أكون جاهلا جهولا في جهلي؟.
قلت: يقول رضي اللّه تعالى عنه: أنا الجاهل في علمي العارض الذي علمتني، فكيف لا أكون جاهلا في جهلي الأصلي الذي فيه أركزتني؟ أو يقول:
أنا الجاهل في حال نسبتي إلي العلم الذي علمتني، فكيف لا أكون جهولا في جهلي الذي هو أصلي و محلى؟ و ما نسبة علم العبودية في جانب علم الربوبية إلا كنقرة العصفور من البحر، كما قال الخضر ٧ لسيدنا موسى عليه الصلاة و السلام، قال تعالى: وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الاسراء: ٨٥]، و قال:
وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [البقرة: ٢٥٥]، و قال تعالى:
وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً [النحل: ٧٨]، فالعلم العارض لا يدفع الجهل الأصلي، هذا باعتبار الحكمة و النظر إلى أصل البشرية.
و أما الروحانية فأصلها علامة دراكة؛ لأنها نموذج رباني و لطيفة نورانية، فإنما حجبها كثافة البشرية و ظلمة الطبيعة كما قال في المباحث:
|
فلم تزل كل نفوس الأحيا |
علامة دراكة للأشيا |
|
|
و إنما تحجبها الأبدان |
و الأنفس النزع و الشيطان |
|
|
فكل من أذاقهم جهاده |
أظهر للقاعد خرق العادة |
|
ثم إن من تحقق بفقره الأصلي لا يسكن إلى غناه العارض، و من تحقق بجهله الأصلي لا يسكن إلى علمه الفرعي، فإن الأمور كلها بيد الغني الكريم، و القلوب كلها بيد المدبر الحكيم، كما أبان ذلك في المناجاة الثالثة بقوله: