ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٩٧ - ٢٥٩ - رب عمر اتسعت آماده و قلت أمداده، و رب عمر قليلة آماده كثيرة أمداده
جلس قوم مجلسا يذكرون اللّه فيه إلا غشيتهم الرحمة و نزلت عليهم السكينة، و ذكرهم اللّه فيمن عنده[١]». و كان يحيى بن معاذ رضي اللّه تعالى عنه يقول: يا غفول يا جهول، لو سمعت صرير القلم حين يجري في اللوح المحفوظ بذكرك لمت طربا انتهى.
فإذا عمّرت أوقاتك بذكر اللّه فعمرك طويل، و إن قلّت أيامه كما أبان ذلك بقوله:
٢٥٩- ربّ عمر اتّسعت آماده و قلّت أمداده، و ربّ عمر قليلة آماده كثيرة أمداده.
قلت: رب هنا للتكثير في الموضعين، فكثير من الأعمار اتسعت آمادهم جمع أمد: و هو الزمان: أي كثير من الناس طالت أعمارهم، و اتسعت أزمنتهم، و قلت أمدادهم: أي فوائدهم، فلم يحصلوا على شيء حيث اشتغلوا بالبطالة و التقصير، حتى مضت تلك الأيام، كطيف المنام و أضغاث أحلام، و كثير من الأعمار قلّت آمادهم: أي أزمنتهم، و كثرت أمدادهم: أي فوائدهم، فأدركوا من فوائد العلم و الأعمال و المعارف و الأسرار في زمن قليل ما لم يدركه غيرهم في الزمن الكثير، و مثال ذلك أهل الجذب مع السلوك و أهل السلوك وحده، فإن أهل الجذب الموافقين للسالكين في الأعمال يطوون في ساعة واحدة من مسافة القرب ما لم يدركه أهل السلوك في سنين، و كذلك أهل الفكرة مع أهل الخدمة: «فكرة ساعة خير من عبادة سبعين سنة»، و في ذلك قال الشاعر: كلّ وقت من حبيبي قدره كألف حجّه. و قال الشيخ أبو العباس المرسى رضي اللّه تعالى عنه: أوقاتنا كلها ليلة القدر: أي كل وقت عندنا أفضل من ألف شهر عند غيرنا. قال القاضي أبو بكر بن العربي المعافري تلميذ الغزالي: لمت الشيخ أبا حامد على انقطاعه و اعتزاله عن الخلق، و قطع انتفاعهم بما وهبه اللّه من العلم الظاهر و الباطن فقال متمثلا:
|
قد تيممت بالصعيد زمانا |
و أنا الآن قد ظفرت بماء |
|
|
من سرى مطبق الجفون و أضحى |
فاتحا لا يردّها للعماء |
|
[١] - رواه مسلم( ٤/ ٢٠٧٤).