ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٦١ - ١١١ - ليس كل من ثبت تخصيصه كمل تخليصه
فيه لينتفع به، فهي مقصودة بالتكميل على كل حال. قال سهل رضي اللّه تعالى عنه لرجل قال له إني أتوضأ فأجد الماء يسقط من يدي قضبان ذهب و فضة، فأجابه بقوله: أما علمت أن الصبيان إذا بكوا أعطوا خشخاشة يشتغلون بها.
قال بعض العلماء: ما رأيت هذه الكرامات إلا على أيدي البله من الصادقين انتهى. قلت: الكرامة العظمى هي المعرفة و الاستقامة و رفع الحجاب و فتح الباب، فلا كرامة أعظم من هذا، و سيأتي الكلام على هذا المعنى بعد إن شاء اللّه. و يحتمل أن يريد بالتخصيص تخصيص التقريب و الهداية؛ فليس كل من ثبت تخصيصه بالهداية و شروق الأنوار كمل تخليصه من رؤية الأغيار، فقد يخصص بالمجاهدة و المكابدة و لا يتحف بالمعرفة و المشاهدة «قوم أقامهم لخدمته، و قوم اختصهم بمحبة» كما تقدم، فالعباد و الزهاد ثبت تخصيصهم فهم من عوام المقربين، و لم يكمل تخليصهم من شهود السوى حتى يكونوا من خواص العارفين، و باللّه التوفيق، هذا آخر الباب الحادي عشر.
و حاصلها: تحقيق الأدب في التعرفات الجلالية بدوام معرفته و شهود نعمته في نعمته، و جريان لطفه و بره في حال قضائه و قدره؛ حتى لا يغلبك الهوى فتلتبس عليك سبل الهدى أو تقف مع ظاهر الأشياء التي هي محل الجلال فتحجب عن البواطن التي هي مستقر الجمال، فالذات جلال و الصفات جمال، فمن وقف مع ظواهر الجلال حجب عن شهود الجمال و حرم من معرفة الرجال، و كان محجوبا عن ذي العظمة و الجلال، فيسيء الأدب، و يحرم حصول المطلب، فإذا استدركته العناية وهبت عليه ريح الهدايد شغل ظاهره بوظائف العبودية، و باطنه بشهود الربوبية فكان في الظاهر ممتثلا لأمره، و في الباطن مستسلما لقهره فتمت عليه نعمة مولاه، و كمل تخليصه من رق حظوظه و هواه فهو يعظم ما عظم مولاه، و لا يستحقر شيئا من أسباب محبته و راضاه، كما أبان ذلك في أول الباب الثاني عشر.