ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٦٣ - ١١٢ - لا يستحقر الورد إلا جهول، الوارد يوجد في الدار الآخرة، و الورد ينطوي بانطواء هذه الدار، و أولى ما يعتني به ما لا يخلف وجوده، الورد هو طالبه منك، و الوارد أنت تطلبه منه، و أين ما هو طالبه منك مما هو مطلبك منه؟
مقامه، و يقرر كل شيء في محله، فلا يستحقر الورد و يطلب الوارد إلا جهول أو معاند، و كيف يستحقر الورد و به يكون الورود على الملك المعبود؟ الورد يوجد ثوابه و ثمرته في الدار الآخرة، و الوارد الذي تطلبه ينطوي بانطواء هذه الدار، قال تعالى: وَ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف: ٧٢]، و جاء في الأثر: «إنّ اللّه يقول ادخلوا الجنة برحمتي، و تقاسموها بأعمالكم». و أيضا المراد من الواردات ثمراتها و نتائجها، و هو ما يعقبها من اليقين و الطمأنينة و الرضا و التسليم، و غير ذلك من المحاسن، فإذا أعطتك نتائجها و جنيت ثمراتها فلك في اللّه غنى عنها، فلا يستحقر الورد و يطلب الوارد إلا من كان عبد الوارد، و أما من كان عبد اللّه فلا يلتفت إلى ما سواه، بل يلزم ما هو مكلف به من وظائف العبودية، قياما بحق عظمة الربوبية، فهو الذي يدوم، و به يتوصل إلى رضا الحي القيوم، و أولى ما يعتني به الإنسان ما ينقطع وجوده بانقطاع موته و هو ورده، فيغتنم وجوده ما دام في هذه الدار، فليس في تلك الدار عمل، و إنما هي دار جزاء و حصول أمل، فالدنيا دار عمل لا جزاء فيها، و الآخرة دار جزاء لا عمل فيه، فليغتنم الإنسان عمره قبل الفوات، فما من زمن يخلو عنه إلا و هو فائت منه. و قد جاء في الحديث: «لا تأتي على العبد ساعة لا يذكر اللّه فيها إلا كانت عليه حسرة يوم القيامة[١]» انتهى، و الذكر متنوع كل بحسب حاله.
و قال الحسن رضي اللّه تعالى عنه: أدركت أقواما كانوا على ساعاتهم أشفق منكم على دنانيركم و دراهمكم، و في معنى ذلك قيل:
|
السّباق السّباق قولا و فعلا |
حذّر النفس حسرة المسبوق |
|
و في بعض الأحاديث عنه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «من استوى يوماه فهو مغبون، و من كان يومه شرّا من أمسه فهو محروم، و من لم يكن في الزيادة فهو في النّقصان، و من كان في النّقصان فالموت خير له[٢]».
[١] - لم أقف عليه.
[٢] - رواه الديلمي في الفردوس( ٣/ ٦١١)، و أبو نعيم في الحلية( ٨/ ٣٥).