ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٦٣ - ٦٢ - أنت حر مما أنت عنه آيس، و عبد لما أنت فيه طامع
شيء جعلنا اللّه منهم بمنه و كرمه، و لما كان الوهم ينشأ عنه الطمع، و الطمع ينشأ عنه الذل و العبودية، و اليقين ينشأ عنه الورع، و الورع ينشأ عنه العز و الحرية، نبه عليه بقوله:
٦٢- أنت حرّ مما أنت عنه آيس، و عبد لما أنت فيه طامع.
قلت: إنما كان الإنسان حرّا مما أيس منه، لأنه لما أيس من ذلك الشيء رفع همته عنه و علقها بالملك الحق، فلما علق همته بالملك الحق سخر الحق له تعالى له سائر الخلق فكانت الأشياء كلها عبيدا له، و مسخرة لأمره. أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكوّن، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك. فمن كان عبدا للّه كان حرّا مما سواه، و إنما كان الإنسان عبدا لما طمع فيه، لأن الطمع في الشيء يقتضي المحبة له و الخضوع و الانقياد إليه، فيكون عند أمره و نهيه، لأن حبك الشيء يعمي و يصم، و هذه حقيقة العبودية و في هذا المعنى قيل: العبد حر ما قنع، و الحر عبد ما طمع، و ما أقبح الإنسان الذي يريد سيده منه أن يكون ملكا، و هو يريد أن يكون مملوكا، يريد سيده أن يجعله حرّا و هو يريد أن يكون عبدا، خلق له سيده الكون بأسره خادما له عند نهيه و أمره فجعل هو يخدم الكون بنفسه، و يتعبد لأقل شيء و أخسه. يقول المصنف في التنوير في مناجاة الحق تعالى على ألسنة الهواتف: إنا أجللنا قدرك أيها العبد أن نشغلك بأمر نفسك، فلا تضعن قدرك يا من رفعناه، و لا تذلن بحوالتك على غيري يا من أعززناه، ويحك أنت أجل عندنا من أن تشتغل بغيرنا، لحضرتي خلقتك و إليها طلبتك و بجواذب عنايتي لها جذبتك، فإن اشتغلت بنفسك حجبتك، و إن اتبعت هواها طردتك، و إن أخرجت عنها قربتك، و إن توددت لي بإعراضك عما سواي أحببتك انتهى. فتحصل أن محبة الأشياء و الطمع فيها هو سبب الذل و الهوان، و التعبد لسائر الأكوان، و أن الإياس من الأشياء، و رفع الهمة عنها هو سبب العز و الحرية و التيه على الأقران، و للّه در القائل حيث قال: