ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٩٣ - ١٢٦ - منعك أن تدعي ما ليس لك مما هو للمخلوقين، أفيبيح لك أن تدعي وصفه و هو رب العالمين؟
و في البخاري في قصة سيدنا موسى ٧: «أنّه خطب على الناس خطبة ذرفت منها العيون، فقام إليه رجل، فقال له: هل تعلم أحدا أعلم منك؟ فقال:
فعتب اللّه عليه إذ لم يردّ العلم إليه، فقال له: بلى عبدنا خضر هو أعلم منك، فكان من شأنهما ما قصّ اللّه في كتابه[١]». فانظر كيف أدبه بطلب غيره، حتى صار تلميذا له يأمره و ينهاه بقوة وصوله مع عظم قدره و جلالة منصبه، و ما ذلك إلا لإظهار شيء من الحرية، فكل من أظهر الحرية رده إلى العبودية بالقهرية، و كل من أظهر العبودية حقق له في باطنه الحرية و ملكه الكون بالكلية، فمن تواضع دون قدره رفعه اللّه فوق قدره، و من غيرته تعالى أيضا أن حرم الفواحش ما ظهر منها و ما بطن، و الفواحش: كل ما فحش قبحه و عظم جرمه:
كالزنا و الغصب و السرقة و التعدي، و أكل أموال اليتامى، و غير ذلك من حقوق العباد فإذا كان منعك أن تدعي ما ليس لك مما هو للمخلوقين من العرض الفاني فكيف يبيح لك أن تدعي وصفه من العزة و الكبرياء و هو رب العالمين. فإذا ادّعيت ما ليس لك سلبك ما ملكك، و إذا تحققت بوصفك و سلمت له وصفه منحك ما لم يكن عندك و آتاك ما لم يؤت أحدا من العالمين، فكلما نزلت بنفسك أرضا أرضا سما قلبك سماء سماء، و قد تقدم هذا المعنى في الخمول، و اللّه تعالى أعلم. تنبيه: اعلم رحمك اللّه و وفقك للتسليم لأوليائه أن الحرية إذا تحققت في الباطن لا بد من رشحات تظهر على الظاهر: فكلّ إناء بالذي فيه يرشح، و صاحب الكنز لا بد أن يظهر عليه السرور، و صاحب الغنى لا يخلو من بهجة و حبور، كما قال الشاعر:
|
و مهما تكن عند امرئ من خليقة |
و إن خالها تخفى على النّاس تعلم |
|
و لذلك تجد أهل الباطن رضي اللّه عنهم جلهم أقوياء في الظاهر، فربما تصدر
[١] - رواه البخاري( ٣/ ١٢٤٦)، و مسلم( ٤/ ١٨٥٣)، و النسائي في الكبرى( ٦/ ٣٩١)، و أحمد( ٥/ ١١٦).