ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٤٩ - ٥٤ - أورد عليك الوارد، ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك
٥٣- أورد عليك الوارد ليتسلّمك من يد الأغيار و ليحرّرك من رقّ الآثار.
أي إنما أورد عليك وارد الإقبال ليؤنسك بذكر الكبير المتعال، فإذا اشتغلت بذكره و غبت عن غيره تسلمك: أي أنقذك من يد لصوص الأغيار بعد أن شدوا أوثاقك بحبل هواك، و سجنوك في سجن حظوظك و مناك، و ليحررك و يعتقك أيضا من رق الآثار، بعد أن ملكتك بما أظهرته لك من زخرف الاغترار، فإذا تسلمت من يد الأغيار أفضيت إلى شهود الأنوار، و إذا تحررت من رق الآثار ترقيت إلى شهود الأسرار، فالأنوار أنوار الصفات، و الأسرار أسرار الذات، فالأنوار لأهل الفناء في الصفات، و الأسرار لأهل الفناء في الذات. ثم أشار إلى القسم الثالث، و هو وارد الوصال فقال:
٥٤- أورد عليك الوارد، ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك.
أي إنما أورد عليك وارد الوصال بعد أن أهبّ عليك نفحات الإقبال، ليخرجك من سجن رؤية وجودك إلى فضاء: أي اتساع شهودك لربك، فرؤيتك وجودك مانعة لك من شهود ربك، إذ محال أن تشهده و تشهد معه سواه.
وجودك ذنب لا يقاس به ذنب، و أنشد الجنيد:
|
وجودي أن أغيب عن الوجود |
بما يبدو عليّ من الشّهود |
|
فالفناء عن النفس و زوالها أصعب من الفناء عن الكون و هدمه، فمهما زالت النفس و هدمت انهدم الكون، و لم يبق له أثر، و قد يهدم الكون و تبقى في النفس بقية فلذلك قدم الشيخ رق الأكوان على سجن وجود الإنسان، و اللّه تعالى أعلم، ثم فسر تلك الواردات فقال: