ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٩٦ - ٢٥٨ - أكرمك كرامات ثلاثا جعلك ذاكرا له، و لو لا فضله لم تكن أهلا لجريان ذكره عليك، و جعلك مذكورا به إذ حقق نسبته لديك، و جعلك مذكورا عنده فتمم نعمته عليك
٢٥٨- أكرمك كرامات ثلاثا: جعلك ذاكرا له، و لو لا فضله لم تكن أهلا لجريان ذكره عليك، و جعلك مذكورا به إذ حقّق نسبته لديك، و جعلك مذكورا عنده فتمّم نعمته عليك.
قلت: لقد أكرمك الحق تعالى أيها الإنسان كرامات كثيرة، و أنعم عليك نعما غزيرة قال تعالى: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: ١٨]، و أجلّ الكرامات و أعظمها كرامات الذكر، و في الحديث: «ما من يوم إلا و للّه فيه نعم ينعم اللّه بها على عباده، و ما أنعم اللّه على عبد أفضل من أن يلهمه ذكره[١]» أو كما قال عليه الصلاة و السلام، ذكره المنذري. و مرجع هذه الكرامات إلى ثلاثة أمور: الكرامة الأولى: جعلك ذاكرا له، و من أين لعبد ذليل أن يذكر سيدا جليلا، و لو لا فضله عليك لم تكن أهلا لجريان ذكره على لسانك. الكرامة الثانية: جعلك مذكورا به حيث ذكرك بنفسه حين ذكرته، قال تعالى:
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة: ١٥٢]، و إذا كنت مذكورا بسبب ذكره لك فقد ثبتت خصوصيتك عنده، فأي كرامة أعظم من هذه؟ فقد حقق نسبته لديك حيث أثبت لك الخصوصية، و قال لك: يا وليى و يا صفيي، فمن أين أنت؟ و هذه النسبة لو لا أن اللّه تفضل عليك، قال بعضهم في تفسير قوله تعالى: وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت: ٤٥]: أي و لذكر اللّه لعبده أكبر من ذكر العبد للّه. الكرامة الثالثة: حيث جعلك مذكورا عنده في الملائكة المقربين، ففي حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم أنه قال: «أنا عند ظن عبدي بي و أنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، و إن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه، و إن تقرب منى شبرا تقربت منه ذراعا، و إن تقرّب مني ذراعا تقربت منه باعا، و إن أتاني يمشي أتيته هرولة[٢]» انتهى. و في حديث آخر: «ما
[١] - رواه ابن أبي عاصم في الآحاد و المثاني( ٢/ ٢٣١)، و البزار في مسنده( ٩/ ٣٣٦)، و ذكره المنذري في الترغيب( ١/ ٢٦٦)،( ٢/ ٢٥٧).
[٢] - تقدم تخريجه.