ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٦١ - ١٦٦ - لا يكن طلبك سببا إلى العطاء منه فيقل فهمك عنه، و ليكن طلبك لإظهار العبودية و قياما بحقوق الربوبية
الباب الثامن عشر
و قال رضي اللّه تعالى عنه:
١٦٦- لا يكن طلبك سببا إلى العطاء منه فيقلّ فهمك عنه، و ليكن طلبك لإظهار العبوديّة و قياما بحقوق الربوبيّة.
قلت: قد تقدم في أول الكتاب أن الطلب كله معلول عند ذوي الألباب، فإن كان و لابد من الطلب، فليكن إظهارا للعبودية، و قياما بحقوق الربوبية، فلا يكن طلبك من الحق سببا إلى العطاء منه فيقل فهمك عنه، لأن الفهم عن اللّه يقتضي الاكتفاء بعمله، و الاستغناء بمعرفته، فلا يحتاج إلى شيء، و لا يتوقف على شيء، فإذا فقد من وجدك فلا يكن محط نظره إلا ما يبرزه من عنصر القدرة و لا يشتهي إلا ما يقضيه عليه مولاه، قيل لبعضهم: ما ذا تشتهي؟ قال: ما يقضي اللّه. قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه: لا يكن حظك من الدعاء الفرح بقضاء حاجاتك فتكون من المحجوبين و ليكن همك مناجاة محبوبك،. و قال بعضهم: فائدة الدعاء إظهار الفاقة بين يديه، و إلا فالرب يفعل ما يشاء. قيل: إن سيدنا موسى ٧ قال: يا رب أطعمني فإني جائع، فأوحى اللّه إليه قد علمت ذلك، قال: يا رب أطعمني، قال له: حتى أريد، و هذا مقام أهل النهايات، و أما أهل البدايات فيرخص لهم في طلب الحاجات، و في كثرة الدعاء و التضرعات، فالدعاء في حقهم واجب، أو مندوب، و فيهم ورد الترغيب في الدعاء، و الإلحاح فيه قال تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠]، و قال: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ [النمل: ٦٢]، و ورد في بعض الأخبار أن اللّه تعالى قال لسيدنا موسى ٧: «سلني حتّى ملح عجينك[١]»، تشريعا للضعفاء، لأن الأنبياء : بعثوا معلمين للضعفاء و الأقوياء، و ينبغي أن يتأدب في الدعاء، فلا يدعو بممنوع شرعا، و لا ممتنع عقلا، و يكون بتلطف و انكسار، و ظهور فاقة و اضطرار، لا بانبساط و إدلال، فإن ذلك مقام الرجال أهل
[١] - ذكره بنحوه ابن رجب في جامع العلوم و الحكم( ١/ ٢٢٥).