ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٩٨ - ٧٦ - الحزن على فقدان الطاعة مع عدم النهوض إليها من علامة الاغترار
و من دعاء الجنيد رضي اللّه تعالى عنه: اللهم و كل سؤال فعن أمرك لي بالسؤال، فاجعل سؤالي لك سؤال محابك، و لا تجعلني ممن يتعمد بسؤاله مواضع الحظوظ بل يسأل القيام بواجب حقك. ثم إذا طلبت منه فاطلب منه ما طلبه منك و هو الطاعة و الاستقامة، و لم تساعفك الأقدار و منعت منها قبل أن تسأل، فإن لم تنهض إليها بقلبك و تأسفت عليها بنفسك، فذلك علامة الاغترار كما أشار إلى ذلك بقوله:
٧٦- الحزن على فقدان الطاعة مع عدم النهوض إليها من علامة الاغترار.
قلت: الحزن: هو التحسر علي شيء لم تحصله و ندمت على تحصيله، أو التوجع على شيء منعت منه، و لم تقدر على تحصيله، فإن كان حزنك على شيء منعت منه و نهضت إلى أسبابه الموصلة إليه، فهو حزن الصادقين. و فيه قال أبو علي الدقاق رضي اللّه تعالى عنه: يقطع صاحب الحزن في شهر ما لا يقطعه غيره في سنين، و إن لم تنهض إلى أسبابه فهو حزن الكاذبين. و إن كان على ما فات و نهضت إلى استدراك ما يمكن استدراكه فهو حزن الصادقين. و إن لم تنهض إلى استدراكه فهو حزن الكاذبين، و قد سمعت رابعة العدوية رجلا يقول:
و احزناه، فقالت له قل: و اقلة حزناه، فلو كان حزنك صادقا لم يتهيأ لك أن تتنفس انتهى. و قال أبو سليمان الداراني رضي اللّه تعالى عنه: ليس البكاء بتعصير العيون، إنما البكاء أن تترك الأمر الذي تبكي عليه، و قيل: لا يغرنك بكاء الرجل، فإن إخوة يوسف: وَ جاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ [يوسف: ١٦]، و قد فعلوا ما فعلوا انتهى. فالحزن على فقدان الطاعة مع عدم النهوض إلى استدراك ما فات منها، أو إلى تحصيل ما حضر منها من علامة الاغترار، أي الغرور و هو الركون إلى ما لا حقيقة له. فالاغترار قبول الغارّ و الانقياد إلى غروره و خدعه، فالحزن ينقسم إلى ثلاثة أقسام: حزن الكاذبين، و الصادقين،