ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٨١ - ٣٦٢ - إلهي عميت عين لا تراك عليها رقيبا، و خسرت صفقة عبد لم تجعل من حبك نصيبا
حظي منها البعد انتهى. و في بعض الكتب المنزلة على بعض الأنبياء :: يا عبدي أنا لك محب فبحقي عليك كن لي محبّا، فمحبة اللّه لعبده تقريبه و اجتباؤه لحضرته، و محبة العبد للّه طاعته بامتثال أمره و اجتناب نهيه، و الاستسلام لقهره، فهذه أوائل المحبة و هي كسبية، و نهايتها كشف الحجاب و فتح الباب، و الدخول مع الأحباب، و هذه و هبية نتيجة الكسبية، و إلى هذا المعنى أشارت رابعة العدوية في شعرها حيث قالت:
|
أحبّك حبّين حبّ الهوى |
و حبّا لأنّك أهل لذاك |
|
|
فأمّا الّذي هو حبّ الهوى |
فشغلى بذكرك عمّن سواك |
|
|
و أمّا الذي أنت أهل له |
فكشفك للحجب حتّى أراك |
|
|
فلا الحمد في ذا و لا ذاك لي |
و لكن لك الحمد في ذا و ذاك |
|
فأشارت رضي اللّه عنها إلى أن محبة العبد للّه على قسمين: قسم ناشئ عن شهود الإحسان، و قسم ناشئ عن شهود الجمال. فأما الأول: الذي هو ناشئ عن شهود الإحسان، فلا شك أن العبد إذا نظر إلى إحسان اللّه تعالى و انعامه عليه بضروب النعم الحسية و المعنوية أحبه لا محالة، لأن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، و هذا هو المسمى بحب الهوى: أي الميل و هو مكتسب لأن الإنسان مغمور بإحسانات اللّه إليه و هو متمكن من النظر فيها، فلا يزال يطالع نعمة بعد نعمة و منة بعد منة، و كل نعمة أعظم من التي قبلها، فتعظم محبته لمولاه، و بذلك يبلغ قصده و مناه. و أما الثاني: و هو الناشئ عن شهود الجمال، فإن العبد إذا كشف الحجاب عن قلبه، و زالت عنه الموانع و القواطع رأي جمال الحق و كماله، و أشرقت أنوار الحضرة و سناها على قلبه، و الجمال محبوب بالطبع، فانعقدت المحبة بينه و بين مولاه، و إنما خصصت رابعة رضي اللّه عنها الحب الناشئ عن شهود الجمال بالأهلية دون الأول و إن كان أهلا للجميع، لأن هذا منة اللّه لا كسب للعبد فيه و الآخر فيه سبب و عمل العبد معلول،