ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٤٩ - ٣٣٣ - إلهي مني ما يليق بلؤمي، و منك ما يليق بكرمك
آخرين، من أمور يبديها لا يبتدئها. و قال بعضهم: في تفسير الآية: كل يوم يجهز ثلاثة عساكر عسكرا من الأصلاب إلى الأرحام، و عسكرا من الأرحام إلى الدنيا، و عسكرا من الدنيا إلى القبور، ثم يرتحلون إلى اللّه جميعا، انتهى. و قد تقدم بعض الكلام على علامات العارف. و قال الشطيبي في هذا المحل: فقلوب العارفين تشاهد بنوره و لا مشاهد للحق سواه، و منازلات الربوبية خارجة عن رسوم البشرية، فعلامة العارف أن يكون قلبه مرآة يرى فيه ما غاب من غيره، و جلاء القلب لا يكون إلا بنور الإيمان و الإيقان، فعلى قدر قوة الإيمان يكون نور القلب، و على قدر نور القلب تكون مشاهدة الحق، و بقدر مشاهدة الحق تكون المعرفة بأسمائه و صفاته، و بقدرهما يكون التعظيم لذاته، و بقدر التعظيم لذاته يكون كمال العبد، و بقدر كماله يكون استغراقه في أوصاف العبودية، و بقدر استغراقه في أوصاف العبودية يكون قيامه بحقوق الربوبية: وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام: ٩١]، انتهى. قلت: و بقدر قيامه بحقوق الربوبية يكشف له عن أسرار الألوهية، و أنشدوا:
|
كانت محادثة الركبان تخبرني |
عن فضلكم و سناكم أطيب الخبر |
|
|
حتى التقينا فلا و اللّه ما سمعت |
أذني بأحسن مما قد رأى بصري |
|
و من أوصاف العبودية بعد الفقر، و الجهالة الخساسة و اللآمة، كما أن من أوصاف الربوبية بعد الغنى و العلم الإحسان و الكرم، فأدلى الشيخ بذكر لآمة نفسه إلى كرم مولاه و إحسانه فقال في المناجاة الرابعة:
٣٣٣- إلهي مني ما يليق بلؤمي، و منك ما يليق بكرمك.
اللؤم: بضم اللام و سكون الهمزة هو الشح و الدناءة، و في القاموس لؤم بالضم ضد كرم. يقول رضي اللّه تعالى عنه: إلهي يظهر مني من الدناءة و الخساسة و اللآمة و المساوىء ما يليق بلآمتي و دناءتي، و يظهر منك من المبرة و الإحسان و الكرامة و الامتنان و تغطية المساوىء و النقصان ما يليق بكرمك