ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٧٩ - ٦٦ - من جهل المريد أن يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه فيقول لو كان هذا سوء أدب لقطع الأمداد، و أوجب البعاد، فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر، و لو لم يكن إلا منع المزيد و قد تقام مقام البعد و أنت لا تدري، و لو لم يكن إلا أن يخليك و ما تريد
و ثالثها: انعزاله عن عقله و رياسته و علمه و عمله، إلا ما يرد عليه من قبل شيخه، كما فعل شيخ طريقتنا الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه عند ملاقاته بشيخه فهي سنة في طريقه، فكل من أتى شيخه في هذه الطريقة الشاذلية فلابد أن يغتسل من علمه و عمله قبل أن يصل إلى شيخه لينال الشراب الصافي من بحر مدده الوافي[١]. و رابعها: عدم الانتقال عنه إلى غيره، و هذا عندهم من أقبح كل قبيح و أشنع كل شنيع، و هو سبب تسويس بذرة الإرادة، فتفسد شجرة الإرادة لفساد أصلها، و هذا كله مع شيوخ التربية كما تقدم. و أما شيوخ أهل الظاهر فلا بأس أن ينتقل عنهم إلى أهل الباطن إن وجدهم، و لا يحتاج إلى إذن، و اللّه تعالى أعلم. و أما الآداب مع الإخوان فأربعة: ألها: حفظ حرمتهم غائبين أو حاضرين، فلا يغتاب أحدا و لا ينقص أحدا، فلا يقول أصحاب سيدي فلان كمّل، و أصحاب سيدي فلان نقّص، أو فلان عارف، أو فلان ليس بعارف، أو فلان ضعيف و فلان قوي، أو غير ذلك فهذه عين الغيبة، و هي حرام بالإجماع لا سيما في حق الأولياء، فإن لحومهم سموم قاتلة كلحوم العلماء و الصالحين، فليحذر المريد جهده من هذه الخصلة الذميمة، و ليفر ممن هذا طبعه فراره من الأسد، فمن أولع بهذا فلا يفلح أبدا، فالأولياء كالأنبياء، فمن فرق بينهم حرم خيرهم و كفر نعمتهم[٢]. و قد قال بعض الصوفية: من كسره الفقراء لا يجبره الشيخ، و من كسره الشيخ فقد يجبره الفقراء، و هو صحيح مجرب، لأن إذاية ولي واحد ليس كإذاية أولياء كثيرة، و من كسره الشيخ يشفع فيه الإخوان فيجبر قلب الشيخ بخلاف قلوب الفقراء إذا تغيرت قلّ أن تتفق على الجبر، و اللّه
[١] - المقصود بالكل رؤية أعمال البر لا الحرفة، و التجرد من العقل بمعنى إحسان الظن بالشيخ فيما لا يدركه المريد من أحواله.
[٢] - و هذا كله إذا لم تظهر من القوم البدعة كالتشييع و نحوه مما يقع فيه أدعياء التصوف، فالتصوف كله سنة، و من أدخل فيه شيئا من البدعة فهو مدخول مستحق للتحذير من معايبه.