ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٤٢ - ٢٢٢ - تطلعك إلى بقاء غيره دليل على عدم وجدانك له
قلت: إذ لو وجدته ما طلبت شيئا، و لا افتقرت إلى شيء أصلا، فكل من يفرح بالوارد و الحال فهو غير متحقق بالوصال، و كل من يفتقر لغير اللّه فليس بعارف باللّه، و كل من يحتاج إلى شيء أو يركن إلى شيء فليس من اللّه في شيء، و ليس على شيء. و كثيرا ما كنا نقول للفقراء: كل من ترونه[١] يزور غير الشيخ بعد أن قبض الورد فهو باق من العوام، و لم يدخل بلاد الخصوص لقلة صدقه، و لو دخل بلاد الخصوص لاجتمعت همته، و إنجمع قلبه و استغنى عن ماء غيره، فتعطشه إلى غير شيخه دليل على أنه لم يشرب من مائه، و للّه در القائل و يقال إنه الغزالي حيث قال:
|
كانت لقلبي أهواء مفرّقة |
فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي |
|
|
فصار يحسدني من كنت أحسده |
و صرت مولى الورى مذ صرت مولائي |
|
|
تركت للناس دينهم دنياهم و |
شغلا بذكرك يا ديني و دنيائي |
|
و من علامة الغنى به أيضا الأنس به، و الوحشة من غيره، فاللّه يغني عن كل شيء، و لا يغني عنه شيء، فإذا فقد حالا أو مقاما سوى شهود ربه ثم استوحش منه فهو بعيد من الحضرة، كما أبان ذلك بقوله: [و استيحاشك بفقدان ما سواه دليل على عدم وصلتك به]. قلت: استيحاشك بفقدان الأحوال و الواردات دليل على عدم وصلتك، إذ لو وصلت إليه لم تستوحش من فقدان شيء، و في الحقيقة ما فقدت شيئا، و هذه علامة الغني باللّه: أنه إذا فقد شيئا مما هو في العادة يؤلم فقده كالولد مثلا أو قريبا أو فاتته عبادة حسية مثلا أو غير ذلك، فإنه يرجع للمعرفة، فاللّه يغني عن كل شيء و هو المقصود من العبيد، قال اللّه تعالى: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ [الحديد: ٢٣]. قال في التنوير: اعلم أن اللّه سبحانه إنما يدخلك في الحال لتنال منها لا لينال منك، و إنما جاءت لتحمل هدية التعريف من اللّه إليك فيها، فتوجه إليها باسمه المبدىء، فأبداها و أبقاها حتى إذا وصلت إليك ما كان لك فيها، فلما أدت الأمانة توجه إلهيا باسمه المعيد فأرجعها و توفاها، فلا تطلبن بقاء رسول بعد أن بلغ
[١] - بالمطبوع" تروه" و ما أثبتناه هو الصواب.