ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٢٨ - و انظر إلى قوله
[و انظر إلى قوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: فمن كانت هجرته إلى اللّه و رسوله فهجرته إلى اللّه و رسوله، و من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه، فافهم قوله عليه الصلاة و السلام فهجرته إلى ما هاجر إليه، و تأمل هذا الأمر إن كنت ذا فهم، و السلام].
قلت: الهجرة هي الانتقال من وطن إلى وطن آخر بحيث يهجر الوطن الذي خرج منه و يسكن الوطن الذي انتقل إليه، و هي هنا من ثلاثة أمور: من وطن المعصية إلى وطن الطاعة، و من وطن الغفلة إلى وطن اليقظة، و من وطن عالم الأشباح إلى وطن عالم الأرواح، أو تقول: من وطن الملك إلى وطن الملكوت، أو من وطن الحس إلى وطن المعنى، أو من وطن علم اليقين إلى عين اليقين أو حق اليقين. فمن هاجر من هذه المواطن قاصدا بهجرته الوصول إلى رضا اللّه و رسوله، أو الوصول إلى معرفة اللّه و رسوله فهجرته موصلة إلى اللّه و رسوله على حسب قصده و همته، و من كانت هجرته إلى حظوظ نفسه و هواه فقد خاب قصده و مسعاه، و غاية هجرته ما هاجر إليه، و كانت هجرته زيادة في جر الوبال إليه فافهم أيها السامع قوله ٧: «فهجرته إلى ما هاجر إليه[١]». و تدبر و اعرضه على قلبك و نفسك، و انظر هل فيك بقية من الالتفات إلى ما هاجرت منه، أو فيك حظ سوى ما هاجرت إليه من رضوان اللّه و رسوله، أو معرفة اللّه و رسوله، فإن اللّه غيور لا يحب لمن طلبه أن يطلب معه سواه، و لن يوصل إليه من بقي فيه بقية من حظه و هواه. قال الششتري رضي اللّه تعالى عنه:
|
أن ترد وصلنا فموتك شرط |
لا ينال الوصال من فيه فضله |
|
و قال أيضا:
[١] - رواه البخاري( ١/ ٣٠)،( ٣/ ١٤١٦)، و الترمذي( ٤/ ١٧٩)، و النسائي في الكبرى( ٣/ ٣٦١)، و أحمد( ١/ ٢٥).