ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٩٣ - ٣٨١ - أنت الغني بذاتك عن أن يصل إليك النفع منك، فكيف لا تكون غنيا عنى
|
إذا طردت يوما كلاب قبيلة |
فقومى كرام لا تهين كلابها |
|
قال علي بن هند الفارسي رضي اللّه تعالى عنه: اجتهد في أن لا تفارق باب سيدك بحال، فإنه ملجأ الكل، فمن فارق تلك السدّة لا يرى بعدها لقدميه قرارا و لا مقاما انتهى. و إذا لزمت الباب أعطاك قبل الطلب، و منحك بلا سبب، و إلى ذلك أشار في المناجاة السادسة و العشرين بقوله:
٣٨٠- إلهي تقدس رضاك أن تكون له علة منك، فكيف تكون له علة مني؟!.
قلت: رضا اللّه تعالى لا ينال بسبب و لا عمل و لا طلب، و إنما هو منح إلهية و مواهب اختصاصية. يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [البقرة: ١٠٥] فقد تنزه و تقدس رضا اللّه تعالى عن أن تكون له علة منه لأنه قديم، فكيف تكون له علة من غيره و هو الغني الكريم؟! و لذلك قال:
٣٨١- أنت الغني بذاتك عن أن يصل إليك النفع منك، فكيف لا تكون غنيا عنى.
فكما تنزه رضاه و سخطه أن تكون لهما علة أو سبب، كذلك تنزهت ذاته المقدسة عن إيصال المنافع منه أو من غيره، فكما أن ذاته المقدسة قديمة كذلك أوصافه المطهرة قديمة أزلية. قال أبو بكر الواسطي رضي اللّه تعالى عنه: الرضا و السخط نعتان من نعوت الحق يجريان على الأبد بما جريا به في الأزل، يظهران الوسمين على المقبولين و المطرودين، فقد بانت شواهد المقبولين بضيائها عليهم كما بانت شواهد المطرودين بظلمها عليهم، فأنى تنفع من ذلك الألوان المصفرة، و الأكمام المقصرة، و الأقدام المنتفخة؟! انتهى، لكن جرت عادة اللّه تعالى و سنته أن من ظهرت عليه الطاعات و الإحسان، كان ذلك علامة الرضا و الرضوان، و من ظهرت عليه المخالفة و العصيان، كان ذلك علامة السخط