ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٢٧ - ٨٩ - جل ربنا أن يعامله العبد نقدا فيجازيه نسيئة
الباب العاشر
قال رضي اللّه تعالى عنه:
٨٩- جلّ ربّنا أن يعامله العبد نقدا فيجازيه نسيئة.
قلت: النقد ما كان معجلا، و النسيئة ما كان مؤخرا، و من شأن الكريم إذا اشترى شيئا أن ينجز نقده و يزيد إحسانه و رفده، و قد اشترى الحق تعالى منا أنفسنا و أموالنا فعوضنا بها الجنة، فمن باع نفسه و ماله و نقدهما، و سلمهما إليه عوّضه اللّه جنة المعارف عاجلا، و زاده جنة الزخارف آجلا مع ما يتحفه به من أنواع النعيم، و دوام الشهود و النظر إلى وجهه الكريم، فجل ربنا أي تنزه و ترفع أن يعامله العبد نقدا أي معجلا فيجازيه نسيئة أي مؤخرا، بل لا بد أن يعجل له ما يليق به في هذه الدار و يدخر له ما يليق به في تلك الدار، و الذي عجل له سبحانه في هذه الدار أمور منها: ما يدفع عنه من المضار و يجلب له من المنافع و المسار، لقوله تعالى: وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [الأعراف: ١٩٦]، و قال تعالى: وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً* وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق ٢: ٣]، و قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: ٦٢]، و قد يتعدى ذلك إلى عقبه كما تقدم، و منها ما يشرق عليه من الأنوار و يكشف لقلبه من الأسرار و هي أنوار التوجه، و أنوار المواجهة، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً [الأنفال: ٢٩]، و هو نور يفرق بين الحق و الباطل، و قال تعالى: وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة: ٢٨٢]، و قال تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: ٢٥٧]، يخرجهم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، و من ظلمة المعصية إلى نور الطاعة، و من ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة، و من ظلمة الحس إلى نور المعنى، أو من ظلمة الكون إلى نور المكون، و منها