ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٢٥ - ٨٨ - العطاء من الخلق حرمان، و المنع من الله إحسان
لأجل موت نفسه و حياة روحه، فإذا كثر عليه العطاء من الخلق فرحت النفس و أنست، فلا تموت به سريعا بخلاف ما إذا واجهه المنع، فإنها تموت سريعا، إذ لا حظّ لها فيه. فالجهاد الذي لا غنيمة فيه أعظم من الجهاد الذي فيه الغنيمة، فقد ورد في الحديث الصحيح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم أنه قال:
«إذا خرجت طائفة للغزو فجاهدوا و غنموا، فقد تعجّلوا ثلثي أجرهم، و إذا لم يغنموا رجعوا بأجرهم كاملا[١]»، أو كما قال صلى اللّه عليه و آله و سلم.
الوجه الثالث: ما في ذلك من الركون إليهم و ميل القلب بالمحبة لهم، إذ النفس مجبولة على حب من أحسن إليها فتسترق لهم و تكون أسيرة في أيديهم.
و في وصية سيدنا على كرم اللّه تعالى وجهه: لا تجعل بينك و بين اللّه منعما، و عدّ نعمة غيره عليك مغرما، و أنشد رضي اللّه تعالى عنه:
|
لعمرك من أوليته منك نعمة |
و مدّ لها كفّا فأنت أميره |
|
|
و من كنت محتاجا إليه فإنّه |
أميرك تحقيقا و أنت أسيره |
|
|
و من كنت عنه ذا غنى و هو مالك |
أزمّة أهل الدّهر أنت نظيره |
|
|
فعش قانعا إنّ القناعة للفتى |
غناء و هذا مقتضى ما أشيره |
|
و قال آخر:
|
فلا ألبس النّعما و غيرك ملبسي |
و لا أملك الدّنيا و غيرك واهبي |
|
قال شيخ شيوخنا و مادة طريقنا بعد نبينا مولاي عبد السلام بن مشيش رضي اللّه تعالى عنه لأبي الحسن رضي اللّه تعالى عنه: يا أبا الحسن اهرب من خير الناس أكثر من أن تهرب من شرهم، فإن خيرهم يصيبك في قلبك، و شرهم يصيبك في بدنك، و لأن تصاب في بدنك خير من أن تصاب في قلبك، و لعدو تصل به إلى ربك خير من حبيب يقطعك عن ربك انتهى. و قال بعضهم: عز النزاهة أكمل من سرور الفائدة، و لأجل هذا المعنى قال ٧: «إذا
[١] - رواه أحمد في جامع العلوم و الحكم( ١/ ١٧)، و ابن ماجه( ٢/ ٩٣١).