ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٢٢ - فكيف يرفع إلى غيره ما كان هو له واضعا
و لا تملقا، ففي الحديث: «من لم يسأل اللّه يغضب عليه[١]».
و قال أبو علي الدقاق: من علامة المعرفة ألا تسأل حوائجك كلها إلا من اللّه. قلّت: أو جلّت، مثل موسى ٧ اشتاق إلى رؤيته فقال: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف: ١٤٣]، و احتاج يوما إلى رغيف فقال: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: ٢٤] انتهى.
ثم تعجب ممن رفع أحكام الحق إلى غيره مع عجزه و ضعفه فقال:
[فكيف يرفع إلى غيره ما كان هو له واضعا].
قلت: من قلة حياء الإنسان أن يرفع إلى غيره ما أنزله عليه الحق تعالى من أحكام قهره مع علمه تعالى بإحسانه و بره و عدم انفكاك لطفه عن قدره. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه: أيست من نفع نفسي لنفسي، فكيف لا أيأس من نفع غيري لها، لها، و رجوت اللّه لغيري، فكيف لا أرجوه لنفسي؟
و قال بعض العارفين من المكاشفين رضي اللّه تعالى عنهم: قيل لي في نوم كاليقظة أو يقظة كالنوم لا تبدينّ فاقة فأضاعفها عليك مكافأة لسوء أدبك، و خروجك عن حد عبوديتك. إنما ابتليتك بالفاقة لتفزع إليّ منها و تتضرع بها لدي، و تتوكل فيها علىّ، سبكتك بالفاقة لتصير بها ذهبا خالصا، فلا تزيغن بعد السبك، و سمتك بالفاقة و حكمت لنفسي بالغني، فإن وصلتها بي وصلتك بالغنى، و إن وصلتها بغيري قطعت عنك مواد معونتي، و حسمت أسبابك من أسبابي طردا لك عن بابي، فمن وكّلته إليّ ملك، و من وكّلته إليه هلك انتهى.
ثمّ بيّن وجه التعجب فقال:
[١] - رواه البخاري في الأدب المفرد( ١/ ٢٢٩)، و الترمذي في السنن( ٥/ ٤٥٦).