ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٢٦ - ١٤٣ - المؤمن إذا مدح استحيى من الله أن يثنى عليه بوصف لا يشهده من نفسه
الظاهر، و أنت تعلم من نفسك اللب الباطن. قال بعضهم: من فرح بمدح الناس فقد مكّن الشيطان من أن يدخل بطنه، و كان بعضهم يقول: اللهم اجعلني خيرا مما يظنون، و لا تؤاخذني بما يقولون، و اغفر لنا ما لا يعلمون، و إنما قلنا: مدائح الناس هواتف الحق، إذ ليس في الوجود إلا الحق: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ [آل عمران: ١٩١]، فأهل الفهم عن اللّه يستمعون إلى الخطاب، فإذا سمعوه مدحهم بشيء نظروا، فإذا كان فيهم علموا أنه تنبيه لهم على مقام الشكر، و إن لم يجدوه فيهم علموا أنه تنبيه لهم على تحصيل ذلك المقام، و لهذا لما سمع أبو حنيفة قوما يمدحونه بقيام الليل كله، و كان لا يقوم إلا نصفه جعل يقوم الليل كله. و قد ذم اللّه قوما أحبوا أن يمدحوا بما لم يفعلوا، فقال: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [آل عمران: ١٨٩]. و قال المحاسبي رضي اللّه تعالى عنه: مثل الذي يفرح بمدح الباطل كمن يقال له: العذرة التي تخرج من جوفك لها رائحة المسك، و هو يفرح بذلك و يرضى بالسخرية به انتهى. ثم إن ذمك لنفسك إذا توجه الخلق إليك بالمدح إنما هو حياء من ربك حيث ستر عيوبك و أظهر محاسنك، و هو الذي نبه عليه بقوله:
١٤٣- المؤمن إذا مدح استحيى من اللّه أن يثنى عليه بوصف لا يشهده من نفسه.
قلت: قد تقرر أن التحقيق ما ثم إلا سابقة التوفيق، و من تمام نعمته عليك أن خلق فيك و نسب إليك، فإذا أطلق الثناء عليك بشيء لا نسبة لك فيه، و إنما أنت محل لظهوره فاستحي منه تعالى أن يثنى عليك بشيء تعلمه أنه من فعل غيرك، أو لم يظهر عليك شيء منه أصلا، فإن مدحت بشيء زائد على ما ظهر فيك فاطلب منه القوة على المزيد ف إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [هود: ١٠٧]، و لا يضرك مدحك بما تفعل إن لم تقصد التعرض للمدح، ففي الحديث عنه صلى اللّه عليه و آله و سلم أنه قال: «أتدرون من المؤمن؟
قالوا اللّه و رسوله أعلم، قال: الذي لا يموت حتى يملأ مسامعه مما يحب، و لو أن رجلا عمل بطاعة اللّه في جوف بيت إلى سبعين بيتا، على كل بيت باب من حديد لألبسه اللّه رداء عمله