ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٧١ - ٦٤ - من لم يشكر النعم، فقد تعرض لزوالها، و من شكرها فقد قيدها بعقالها
و سئل أبو حازم رضي اللّه تعالى عنه: ما شكر العينين؟ قال: إذا رأيت بهما خيرا أعلنته، و إذا رأيت بهما شرّا سترته. قال: فما شكر الأذنين؟ قال: إذا سمعت بهما خيرا و عيته، و إذا سمعت بهما شرّا دفنته. قال: فما شكر اليدين؟
قال: لا تأخذ بهما ما ليس لك و لا تمنع حقّا هو اللّه فيهما. قال: فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله صبرا و أعلاه علما. قال: فما شكر الفرج؟ قال كما قال اللّه تعالى: وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إلى قوله: غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون ٥: ٦]. قال: فما شكر الرجلين؟ قال: إن رأيت شيئا غبطته استعملتهما، و إن رأيت شيئا مقته كففتهما انتهى. و اعلم أن الناس في الشكر على ثلاث درجات: عوام، و خواص، و خواص الخواص، فشكر العوام على النعم فقط، و شكر الخواص على النعم و النقم، و شكر خواص الخواص الغيبة في المنعم عن شهود النعم و النقم، و النعم التي يقع الشكر عليها ثلاثة أقسام:
دنيوية: كالصحة و العافية و المال الحلال، و دينية: كالعلم و العمل و التقوى و المعرفة، و أخروية: كالثواب على العمل القليل بالعطاء الجزيل، و أجلّ النعم الدينية التي يتأكد الشكر عليها نعمة الإسلام و الإيمان و المعرفة، و شكرها هو اعتقاد أنها منة من اللّه تعالى بلا واسطة و لا حول و لا قوة، قال اللّه تعالى:
وَ لكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ [الحجرات: ٧]، ثم قال: فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ نِعْمَةً [الحجرات: ٨]. قال أبو طالب المكي رضي اللّه تعالى عنه: بعد كلام: فلو قلّب قلوبنا في الشك و الضلال كما يقلب نياتنا في الأعمال، أي شيء كنا نصنع؟
و على أي شيء نعوّل؟ و بأي شيء كنا نطمئن و نرجو؟ فهذا من كبائر النعم، و معرفته هو شكر نعمة الإيمان و الجهل بهذا غفلة عن نعمة الإيمان توجب العقوبة. و ادّعاء الإيمان أنه عن كسب معقول أو استطاعة بقوة و حول هو كفر نعمة الإيمان، و أخاف على من توهم ذلك أن يسلب الإيمان لأنه بدّل شكر نعمة