ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٢٧ - ٤٢ - لا ترحل من كون إلى كون فتكون كحمار الرحى يسير، و الذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل عنه، و لكن ارحل من الأكوان إلى المكون و أن إلى ربك المنتهى
فحاله حال حمار الساقية في السير دائم، و هو في موضعه قائم يظن أنه قطع مسافة مما طلب، و ما زاد إلا نقصا مع تعب. قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه:
قف بباب واحد لا لتفتح لك الأبواب، تفتح لك الأبواب، و اخضع لسيد واحد لا لتخضع لك الرقاب فتخضع لك الرقاب، قال تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ [الحجر: ٢١] أ. ه. فينبغي لك أيها المريد أن ترفع همتك إلى الملك المجيد، فترحل من رؤية الأكوان إلى طلب شهود الملك الديان، أو ترحل من الدليل و البرهان إلى رتبة الشهود و العيان، و هو غاية القصد و بلوغ المنتهى، وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [النجم: ٤٢]، و لا ترحل من كون إلى كون، بان تترك حظا من حظوظ نفسك طلبا لحظّ آخر فتكون كحمار الرحى الذي سار منه هو الذي عاد إليه، و تشبيهه بالحمار دليل على بلادته و قلة فهمه، إذ لو فهم عن اللّه لرحل عن حظوظ نفسه و هواه قاصدا الوصول إلى حضرة مولاه، فلا ترحل أيها المريد من كون مخلوق إلى كون مخلوق مثلك، و لكن ارحل من الكون إلى المكوّن، وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [النجم: ٤٢]، و الرحيل إلى المكون يكون بثلاثة أمور:
الأول: قصر همتك عليه دون ما سواه حتى يطّلع على قلبك فلا يجده محبّا لسواه.
الثاني: الرجعى إليه بإقامة الحقوق و الفرار من الحظوظ.
الثالث: دوام اللجأ إليه، و الاستعانة به، و التوكل عليه، و الاستسلام لما يورده عليك.
قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه: أربعة من كن فيه احتاج الخلق إليه و هو غني عن كل شيء: المحبة للّه، و الغنى باللّه، و الصدق، و اليقين، الصدق في العبودية، و اليقين في أحكام الربوبية. وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]. قاله الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه
ثم استدل على طلب رفع الهمة إلى اللّه مع الإعراض عما سواه بحديث الهجرة الذي في الصحيح فقال: