ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٩٩ - ٧٦ - الحزن على فقدان الطاعة مع عدم النهوض إليها من علامة الاغترار
و الصديقين السائرين. فحزن الكاذبين: هو ما تقدم من عدم النهوض و الاستدراك لما فات. و حزن الصادقين: هو الحزن المصحوب بالجد و الاجتهاد، و التوسط في العمل، و الاقتصاد مع اغتنام ما بقي من الأوقات لاستدراك ما فات. و حزن الصديقين من السائرين: هو الحزن على فوات الأوقات، أو حصول شيء من الغفلات، أو وقوع ميل أو ركون إلى الحظوظ و الشهوات، إلا أن حزنهم لا يدوم، إذ لا يقفون مع شيء و لا يقبضهم شىء، و أما الواصلون فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون، قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: ٦٢]، إذ الحزن إنما يكون على فقد شيء، أو فوات غرض، و ما ذا فقد من وجد اللّه: وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر: ٣٤]. و في هذا المقام ينقطع البكاء إذ لا بكاء في الجنة، و قدر رأى الصديق قوما يقرأون و يبكون، فقال: كذلك كنا ثم قست القلوب، فعبر بالقسوة عن التمكين أدبا و تسترا، لأن القلب في بدايته رطب يتأثر بالمواعظ و تحركه الأحوال. فإذا استمر معها، و تصلب لم يتأثر بشيء و يكون كالجبل الراسي: وَ تَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [النمل: ٨٨].
تنبيه: قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه: من لم تطاوعه نفسه على النهوض إلى الطاعات، و أخلدت إلى أرض الشهوات، فدواؤه في حرفين: الأول: أن يعلم منة اللّه عليه بالهداية للإسلام و محبة الإيمان، فيشكر اللّه عليها ليحصن بقائها عنده.
الثاني: دوام تضرعه و ابتهاله في مظان الإجابة قائلا: يا ربّ سلم سلم، و إن أهمل هذين الأمرين، فالشقاوة لازمة له انتهى بالمعنى، و باللّه التوفيق. ثم إذا أعطاك ما طلبت من كمال الاستقامة، و نهضت إليه نادما على ما فاتك من الطاعة كانت نهايتك الوصول إلى الحبيب، و مناجاة القريب. هناك تكلّ الألسن عن العبارة و تنقطع الإشارة، كما أبان ذلك بقوله: