ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٤٨ - ٢٢٥ - من تمام النعمة عليك أن يرزقك ما يكفيك، و يمنعك ما يطغيك
عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج: ٣٨]، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: ١٢٨]. و قد استعاذ صلى اللّه عليه و آله و سلم مما يشغل القلب و ينسي الرب فقرا أو غنى، فكان يتعوذ من الفقر المنسي و الغنى المطغي. و قال: «اللهمّ اجعل رزق آل محمد قوتا[١]»، و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «خير الذّكر الخفيّ[٢]»، أي في القلب و هو الفكرة «و خير الرزق ما يكفي[٣]»، و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «ما طلعت شمس إلا و بجناحيها ملكان يسمعان الخلائق غير الثقلين: أيها الناس هلمّوا إلى ربكم، ما قلّ و كفى خير مما كثر و ألهى[٤]»، و قال ٧: «ليس الغنى بكثرة العرض، إنّما الغنى غنى النفس[٥]».
و في ذلك قيل:
|
غنى النفس ما يكفيك عن سدّ خلّة |
فإن زدت شيئا عاد ذاك الغنى فقرا |
|
و قال عبد الواحد بن زيد رضي اللّه تعالى عنه: سمعت أن جارية مجنونة في خراب الأيلة تنطق بالحكم، فكنت أطلبها حتى وجدتها و هي محلوقة الرأس و عليها جبة صوف، فلما رأتني قالت: مرحبا بك يا عبد الواحد، فعجبت من معرفتها لي و لم ترني فقلت لها: رحب اللّه بك، ثم قالت: ما جاء بك؟. قلت: تعظيني، قالت: و اعجبا لواعظ يوعظ يا عبد الواحد، اعلم أن العبد إذا كان في كفاية و مال إلى شيء من الدنيا سلبه اللّه حلاوة الزهد و ظل حيران و لها، فإن كان له عند اللّه نصيب عاقبه و حيا في سره فيقول له: «عبدي أردت رفع قدرك عند ملائكتي، و أجعلك دليلا لأوليائي، و مرشدا لأهل طاعتي، فملت إلى عرض الدنيا و تركتني، فأورثك ذلك الوحشة بعد الأنس، و الذل بعد العز، و الفقر بعد الغنى، ارجع إلى ما كنت عليه، ارجع إليك ما كنت تعرفه من نفسك، ثم انصرفت عني و تركتني و بقيت حسرتها في قلبي». و في
[١] - رواه البخاري( ٥/ ٢٣٧٢)، و مسلم( ٤/ ٢٨١).
[٢] - رواه أحمد( ١/ ١٣٢)، و ابن حبان( ٣/ ٩١).
[٣] - رواه أحمد( ١/ ١٨٠)، و البيهقي في الشعب( ١/ ٤٠٧).
[٤] - رواه أحمد في المسند( ٥/ ١٩٧).
[٥] - رواه البخاري( ٥/ ٢٣٦٨)، و مسلم( ٢/ ٧٢٦).