ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٣١ - ١٤٧ - متى كنت إذا أعطيت بسطك العطاء، و إذا منعت قبضك المنع، فاستدل بذلك على ثبوت طفوليتك، و عدم صدقك في عبوديتك
الوصول، إذ هم باب اللّه الأعظم، و يد اللّه الآخذة بيد الداخلين إلى الحضرة، فمن مدحهم فقد مدح اللّه: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [الفتح: ١٠]، و من ذمهم فقد ذم اللّه[١]، و كذلك مدح الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم هو باب عظيم في الوصول إلى حضرة الكريم. فإن قلت: قوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «احثوا التراب في أوجه المادحين[٢]» يقتضي العموم فيصدق بمدح العارفين و غيرهم. قلت: هو محمول على المدح بالكذب على وجه الطمع، كما يقع للملوك و أرباب الأموال طمعا فيما عندهم، أو يحمل على من كان باقيا مع نفسه خائفا عليها كالعباد و الزهاد، فإذا مدحهم أحد فينبغي أن يزجروه و يحثوا في وجهه التراب، قيل: حقيقة، و قيل: كناية عن الخيبة و الرد و النهي و الزجر. و أما العارفون المتحققون:
فقد عرفوا الممدوح، و غابوا عن شهود الواسطة في المادح و الممدوح، نفعنا اللّه بذكرهم، و خرطنا في سلكهم آمين. ثم من علامة الكمال، تحقيق الاعتدال، و استواء الأحوال، في ثمانية خصال: المدح و الذم، و العز و الذل، و القبض و البسط، و المنع و العطاء، و قد تقدم بعضها، و أشار إلى الأخيرتين بقوله:
١٤٧- متى كنت إذا أعطيت بسطك العطاء، و إذا منعت قبضك المنع، فاستدلّ بذلك على ثبوت طفوليّتك، و عدم صدقك في عبوديّتك.
قلت: الطفولية و التطفل: هو الدخول في قوم و ليس منهم و لم يستأذنهم، و الطفيلي: هو الذي يأتي للوليمة من غير دعوة، و هو منسوب إلى رجل من أهل الكوفة من بني عبد اللّه بن غطفان كان يقال له: طفيل الأعراس، كان يأتي إلى الولائم من غير أن يدعى إليها، فشبه
[١] - كيف لا و هم الذين قال فيهم النبي الأكرم صلى اللّه عليه و سلم:" الذين إذا رؤوا ذكر اللّه"( الطبراني و البيهقي) فهم الدالون عليه، الموصلون إليه، و هم محل نعمته و كرمه« إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ» فمن أهانهم فقد أهانه و من أكرمهم فما أحسن شأنه.
[٢] - رواه مسلم( ٤/ ٢٢٩٧)، و الترمذي( ٤/ ٦٠٠).