ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٩٦ - ٧٤ - متى رزقك الطاعة و الغنى به عنها، فاعلم أنه قد أسبغ عليك نعمه ظاهرة و باطنة
الأغنياء الأخفياء الأتقياء[١]»، أو كما قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: و في حديث آخر «ليس الغنى بكثرة العرض، إنّما الغنى غنى النّفس[٢]» انتهى.
و هو الغنى باللّه و هذه هي النعمة الحقيقية، فالنعم الظاهرة هي تزيين الجوارح بالشريعة، و النعم الباطنة هي إشراق الأسرار بالحقيقة، و قيل: النعم الظاهرة هي الكفاية و العافية، و النعم الباطنة هي الهداية و المعرفة، و قيل: النعم الظاهرة راحة البدن من مخالفة أمره، و الباطنة سلامته من منازعة حكمه و حقيقة النعمة من حيث هي ما لا يوجب ألما، و لا يعقب ندما، و قيل: النعمة العظمى الخروج من رؤية النفس، و قيل: النعمة ما وصلك بالحقائق و طهرك من العلائق و قطعك عن الخلائق، و باللّه تعالى التوفيق.
هذا آخر الباب الثامن، و حاصلها تحقيق الآداب مع الواردات الإلهية، لأنها مواهب اختصاصية، فمن أراد مدد أنوارها فعليه بكتمان أسرارها، و ليؤخر جزاء ثوابها لدار يدوم بقاؤها، فحينئذ يتحقق إخلاصه و يظهر اختصاصه، فيذوق حلاوة الطاعة و الإيمان، و يعظم قدره عند الملك الديان، فيغيبه به عما سواه، و يسبغ عليه مننه، و مهما أغناك به استغنيت به عن طلبه، و إن كان و لا بد من الطلب منه فاطلب منه ما هو طالبه منك، كما أشار إليه في أول الباب التاسع.
[١] - رواه القضاعي في مسند الشهاب( ٢/ ٢٥٢)، و البيهقي في الزهد الكبير( ٢/ ١١٢).
[٢] - رواه أحمد في الأحاديث المختارة( ٦/ ١٠٠)، و ابن أبي عاصم في الزهد( ١/ ١٨).