ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٣٧ - ٩٦ - معصية أورثت ذلا و افتقارا، خير من طاعة أورثت عزا و استكبارا
و المعصية طاعة، و لذلك قال المحاسبي رضي اللّه تعالى عنه: إنما مراد اللّه سبحانه من عباده قلوبهم، فإذا تكبر العالم أو العابد، و تواضع الجاهل و العاصي و ذل هيبة للّه عز و جلّ و خوفا منه فهو أطوع للّه عز و جلّ من العالم و العابد بقلبه انتهى. و قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه: كل إساءة أدب تثمر أدبا فليست بإساءة أدب. و كان رضي اللّه تعالى عنه كثير الرجاء لعباد اللّه الغالب عليه شهود وسع الرحمة، و كان رضي اللّه تعالى عنه يكرم الناس على نحو رتبتهم عند اللّه حتى إنه ربما يدخل عليه مطيع فلا يبالي به، و ربما دخل عليه عاص فأكرمه، لأن ذلك الطائع أتى و هو متكبر بعمله و ناظر لفعله، و ذلك العاصي دخل بكثرة معصيته و ذلته و مخالفته، قاله المصنف في لطائفه. و قال أبو يزيد رضي اللّه تعالى عنه:
نوديت في سري خزائني مملوءة بالخدمة، فإن أردتنا فعليك بالذلة و الافتقار، و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أشدّ من ذلك: العجب[١]» كذا في الصحيحين، و قال ٧ «لو لا أنّ الذنب خير من العجب ما خلّى اللّه بين مؤمن و ذنب أبدا[٢]». و قال الشيخ أبو مدين رضي اللّه تعالى عنه: انكسار العاصي خير من صولة المطيع. و قال شيخ شيوخنا رضي اللّه تعالى عنه: معصية باللّه خير من ألف طاعة بالنفس انتهى. و معنى كلام الشيخ أن العبد إذا أجريت عليه زلة لم يقصدها بقلبه، و إنما جرته القدرة إليها رغما على أنفه ثم ندم و انكسر، فهي في حقه خير من ألف طاعة يشهد فيها نفسه و يتبجح بها على عباد اللّه، و للّه در صاحب العينية حيث يقول:
|
و أسلمت نفسي حيث أسلمني الهوى |
و مالي عن حكم الحبيب تنازع |
|
|
فطورا تراني في المساجد راكعا |
و إنّي طورا في الكنائس راتع |
|
|
أراني كالآلات و هو محرّكي |
أنا قلم و الاقتدار أصابع |
|
[١] - رواه القضاعي في الشهاب( ٢/ ٣٢٠)، و البيهقي في الشعب( ٤٥٣).
[٢] - رواه الديلمي في الفردوس( ٣/ ٣٥٥) بنحوه.