ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٤ - ٢ - إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية، و إرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية
غير إذن صريح فهو انحطاط من الهمة العلية إلى الهمة الدنيّة أو سقوط من الولاية الكبرى إلى الولاية الصغرى. قال شيخ شيوخنا سيدي علي رضي اللّه تعالى عنه: قال لي شيخي سيدي العربي: يا ولدي لو رأيت شيئا أعلى من التجريد و أقرب و أنفع لأخبرتك به، و لكن هو عند أهل هذه الطريقة بمنزلة الإكسير الذي قيراط منه يغلب ما بين الخافقين ذهبا كذلك التجريد في هذه الطريق. انتهى. و سمعت شيخ شيخنا رضي اللّه تعالى عنه يقول: معرفة المتجرد أفضل و فكرته أنصع؛ لأن الصفا من الصفاء، و الكدر من الكدر: صفاء الباطن من صفاء الظاهر، و كدر الباطن من كدر الظاهر، و كل ما زاد في الحس نقص في المعنى و في بعض الأخبار: إذا أخذ العالم شيئا من الدنيا نقصت درجته عند اللّه و إن كان كريما على اللّه و أما من أذن له في السبب، فهو كالمتجرد إذ صار حينئذ سببه عبودية، و الحاصل: أن التجريد من غير أذن سبب و السبب مع الإذن تجريد، و باللّه التوفيق.
تنبيه: هذا الكلام كله مع السائرين، و أما الواصلون المتمكنون فلا ملامة عليهم إذ هم رضي اللّه تعالى عنهم مأخوذون عن أنفسهم يقبضون من اللّه و يدفعون باللّه، قد تولى الحق تعالى أمورهم و حفظ أسرارهم و حرس قلوبهم بجنود الأنوار فلا تؤثر فيها ظلم الأغيار و عليه يحمل حال الصحابة في الأسباب رضي اللّه تعالى عنهم و نفعنا ببركاتهم. آمين و اعلم أن المتسبب و المتجرد عاملان للّه إذ كل واحد منهما حصل له صدق التوجه إلى اللّه تعالى حتى قال بعضهم:
مثل المتجرد و المتسبب كعبدين للملك قال لأحدهما: اعمل و كل و قال للآخر:
الزم أنت حضرتي و أنا أقوم لك بقسمتي. و لكن صدق التوجه في المتجرد أقوي لقلة عوائقه و قطع علائقه كما هو معلوم. و لما كانت همة الفقير المتجرد لا تخطئ في الغالب لقوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «إنّ للّه رجالا لو أقسموا على اللّه