ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٥٤ - ٢٣٢ - خير علم ما كانت الخشية معه
قلت: العلم النافع هو علم القلوب، و مرجعه إلى تصفية القلوب من الرذائل و تحليتها بالفضائل.
أو تقول: مرجعه إلى التخلية و التحلية، فيبحث أولا عن عيوب النفس، و عيوب القلب، و عيوب الروح، و عيوب السر، فيطهر كل واحد من عيوبه، فإذا تطهر من الجميع تحلى بصفات الكمال، كالإيمان و الإيقان و الطمأنينة و المراقبة و المشاهدة، و تحلى أيضا بالحلم و الرأفة و السخاء و الكرم و الإيثار و سائر الأخلاق الحسنة، فشعاع العلم الذي ينبسط في الصدر هو ثلج اليقين، و برد الرضا و التسليم و حلاوة الإيمان و مواجيد العرفان، و ينشأ عن ذلك مخافة اللّه و هيبته و الحياء منه و السكون و الطمأنينة و غير ذلك مما تقدم من الأخلاق الحسنة، و القناع الذي ينكشف به عن القلب هو الغفلة، و سبب الغفلة هو الرضا عن النفس، و سبب الرضا عن النفس هو حب الدنيا الذي هو أصل كل خطيئة، فمن حب الدنيا ينشأ الحسد و الكبر، و الحقد و الغضب، و الشح و البخل، و حب الرياسة و القساوة، و الفظاظة و القلق، و غير ذلك من العيوب. فإذا انكشفت هذه الأمور عن القلب انبسط فيه شعاع العلم الذي هو ثلج اليقين و برد الرضا، و ما تقدم ذكره، لأن العلم باللّه نور في القلب، و ينبعث منه شعاع ينبسط في الصدر، فيكسبه الزهد في الدنيا، فإذا زهد في الدنيا اتسع صدره باليقين و الرضا و التسليم و غير ذلك من المحاسن، فكشف القناع مقدم على بسط الشعاع، فلو قدمه لكان أولى لأن التخلية مقدمة على التحلية، فلو قال: هو الذي ينكشف به عن القلب قناعه و ينبسط في الصدر شعاعه لكان أحسن و يحتمل أن يريد بانبساط الشعاع في الصدر نور الإسلام و الإيمان و هي أنوار التوجه، و بكشف القناع عن القلب كشف حجاب الحس و ظلمة الكون، فتبدو أنوار المواجهة و هي أنوار الإحسان و أسرار العرفان، و على هذا يكون ترتيب كلام الشيخ حسنا، و اللّه تعالى أعلم.
و الحاصل: أن العلم الذي يوجب الخشية هو العلم النافع و غيره ليس بنافع، و إليه أشار بقوله:
٢٣٢- خير علم ما كانت الخشية معه.
فإن لم تكن خشية فلا خير فيه، لأنه حجة على صاحبه، و إليه أشار بقوله: