ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٨ - ١ - من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل
يقظة قد استوى خوفه و رجاؤه على الدوام لأن خوفه ناشئ عن شهود الجلال، و رجاؤه ناشئ عن شهود الجمال، و جلال الحق و جماله لا يتغيران بزيادة و لا نقصان، فكذا ما ينشأ عنهما بخلاف المعتمد على الأعمال، إذا قل عمله قل رجاؤه و إذا كثر عمله كثر رجاؤه لشركه مع ربه و تحققه بجهله، و لو فني عن نفسه و بقي بربه لاستراح من تعبه و تحقق بمعرفة ربه و لا بد من شيخ كامل يخرجك من تعب نفسك إلى راحتك بشهود ربك فالشيخ الكامل هو الذي يريحك من التعب لا الذي يدلك على التعب، من دلك على العمل فقد أتعبك، و من دلك على الدنيا فقد غشك، و من دلك على اللّه فقد نصحك.
كما قال الشيخ ابن مشيش رضي اللّه تعالى عنه: و الدلالة على اللّه هي الدلالة على نسيان النفس[١] فإذا نسيت نفسك ذكرت ربك قال تعالى:
وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [الكهف: ٢٤]، أي ما سواه انتهى، و سبب التعب هو ذكر النفس و الاعتناء بشؤونها و حظوظها، و أما من غاب عنها فلا يلقى إلا الراحة و أما قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤]، أي في تعب فهو خاص بأهل الحجاب أو تقول: خاص بأحياء النفوس، و أما من مات فقد قال تعالى فيه: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ* فَرَوْحٌ وَ رَيْحانٌ وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ [الواقعة ٨٨: ٨٩]، أي فروح الوصال و ريحان الجمال و جنة الكمال و قال تعالى: لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ [الحجر: ٤٨]، أي تعب و لكن لا تدرك الراحة إلا بعد التعب و لا يحصل الظفر إلا بالطلب «حفت الجنة بالمكاره[٢]».
|
أيّها العاشق معنى حسننا |
مهرنا غال لمن يخطبنا |
|
|
جسد مضنى و روح في العنا |
و جفون لا تذوق الوسنا |
|
[١] - انظر: الدلالة على اللّه لعبد الحق الصقلي، تحقيق المزيدي.
[٢] - رواه الترمذي( ٤/ ٦٩٣)، و النسائي( ٧/ ٣).