ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٥٥ - ١٠٨ - سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، و ظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية
و سلم: «لقد تركتكم على الحنيفيّة السّمحة[١]» و في رواية: «على الملّة البيضاء نهارها كليلها»، أو كما قال صلى اللّه عليه و آله و سلم. و قال أحمد بن حضرويه البلخي رضي اللّه تعالى عنه: الطريق واضح، و الدليل لائح، و الداعي قد أسمع، فما التحير بعد هذا إلا من العمى. و سمعت رابعة العدوية صالحا المري يقول: من أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له، فقالت له: الباب مفتوح و أنت تفر منه، كيف تصل إلى مقصد أخطأت الطريق إليه في أول قدم انتهى كلامها رضي اللّه تعالى عنها. فلا يخاف عليك أيها المريد أن تلتبس الطرق الموصلة إلى اللّه تعالى عليك، لأنها في غاية الوضوح، و إنما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك فيصمك و يعميك. إنّ الهوى ما تولّى يصم أو يصم
فلا يخاف عليك التباس الهدى، إنما يخاف عليك اتباع الهوى، فلا يخاف عليك التباس الحق، و إنما يخاف عليك جهلة الخلق، وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام: ١١٦]. فلا يخاف عليك عدم وجود أهل التحقيق، و إنما يخاف عليك قطّاع الطريق، لا يخاف عليك من خفاء أهل الحق، إنما يخاف عليك من قلة الصدق، فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ [محمد: ٢١]. و اللّه ما حجبهم عنك إلا من عدم صدقك، فلو حسنت ظنك باللّه و بأولياء اللّه لرفع اللّه الحجاب بينك و بينهم، و وجدتهم أقرب إليك من أن ترحل إليهم، فسبحان من سترهم في حال ظهورهم، و أظهرهم في حال خفائهم، كما نبه عليه الشيخ بقوله:
١٠٨- سبحان من ستر سرّ الخصوصيّة بظهور وصف البشريّة، و ظهر بعظمة الربوبيّة في إظهار العبوديّة.
قلت: الخصوصية هي نور الحق يشرقه اللّه في قلوب خواص عباده المقربين،
[١] - لم أقف عليه.