ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٨٠ - ٣٦٢ - إلهي عميت عين لا تراك عليها رقيبا، و خسرت صفقة عبد لم تجعل من حبك نصيبا
أبان ذلك في المناجاة التاسعة عشرة بقوله:
٣٦٢- إلهي عميت عين لا تراك عليها رقيبا، و خسرت صفقة عبد لم تجعل من حبك نصيبا.
قلت: الظاهر أن هذا إخبار بأن كل عين خلت من مراقبة الحق تعالى، فهي عمياء و كل صفقة خلت من محبة اللّه فهي خاسرة، و يكون العمى في حقها معنويّا، فكأنها حيث لم تراقب اللّه تعالى، و لم تستحي منه عمياء، لأن اللّه سبحانه يقول: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء: ١]، و قال تعالى: وَ ما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَ ما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَ لا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً [يونس: ٦١]. فمن لم يعتقد هذا فهو كافر، و من اعتقده و لم يستحي من اللّه فهو جاهل أعمى البصيرة. و قد قالوا: إن الحياء جله من البصر ألا ترى أن الأعمى قليل الحياء، فدل أن البصر الذي لم يراقب اللّه تعالى، و لم يستحي منه ليس ببصر، و إنما هو عمى، و يحتمل أن يريد بالعين عين البصيرة. قال بعضهم: إذا عصيت اللّه فاعصه بموضع لا يراك، فمن لم يستحي من نظر الحق و بارز مولاه بأنواع المعاصي، فقد عميت عين بصيرته. و سئل بعضهم: بم يستعين العبد على حفظ بصره؟ فقال: بعلمه بأن رؤية الحق تسبق بصره، انتهى. و في حديث عبادة ابن الصامت رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «أفضل إيمان المرء أن يعلم أن اللّه معه حيث كان[١]». و الصفقة: هي ما يشتري جملة، و كنى بها عن حظ العبد و قسمته الأزلية، فمن كان حظه من اللّه المقت و البعد فصفقته خاسرة، نسأل اللّه العافية. كان بعض السادات يبكي، فقيل له: لم هذا البكاء؟ فقال له: ليس بكائي من ذنوبي و عصياني، لأن ذلك من صفة نفسي، و إنما بكائي على أن كانت أقساما قسمت و حظوظا أجريت و كان
[١] - رواه البيهقي في الشعب( ١/ ٤٧٠)،( ٣/ ١٨٧).