ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٠٥ - ١٣٣ - الستر على قسمين ستر عن المعصية، و ستر فيها، فالعامة يطلبون الستر من الله فيها خشية سقوط مرتبتهم عند الخلق، و الخاصة يطلبون الستر عنها خشية سقوطهم من نظر الملك الحق
و لما كانت المعصية بساط الذل و الاحتقار كما تقدم، و هي أقرب لمقام العبودية، و الطاعة بساط العز و الرفعة، فافتقرت إلى حلم اللّه أكثر، صار الناس يطلبون الستر في المعصية أو عنها خوفا مما ينشأ عنها، كما أبان ذلك بقوله:
١٣٣- السّتر على قسمين: ستر عن المعصية، و ستر فيها، فالعامة يطلبون الستر من اللّه فيها خشية سقوط مرتبتهم عند الخلق، و الخاصّة يطلبون الستر عنها خشية سقوطهم من نظر الملك الحقّ.
قلت: الستر: هو الحفظ و التغطية، و هو في الحس من الآفات و البليات التي توجب هلاكه، و في المعنى من الفضيحة و المقت و سقوط المرتبة. و هو باعتبار المعصية على قسمين: قسم: يقع الستر فيها فلا يفضح صاحبها، و قسم: يقع الستر عنها فلا يقع العبد فيها و لو طلبها لما شمله من حفظ اللّه و رعايته. فالعامة يطلبون الستر من اللّه فيها مع وقوعها لئلا يسقطوا من عين الخلق، فهم:
يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَ لا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَ هُوَ مَعَهُمْ [النساء: ١٠٨] وَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ [التوبة: ٦٢]، فمحط نظرهم إنما هو شهود الخلق غائبين عن نظر الملك الحق، و ذلك لضعف إيمانهم، و قلة يقينهم، و انطماس بصيرتهم، و في بعض الأخبار: «يقول اللّه تبارك و تعالى: يا عبادي إن كنتم تعتقدون أنّي لا أراكم فالخلل في إيمانكم، و إن كنتم تعتقدون أنّي أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم» انتهى. و أما الخاصة فهم يطلبون من اللّه الستر عنها و العصمة منها، خشية أن يسقطوا من عين الحق، لأن صدور المعصية من العبد سوء أدب، و من أساء الأدب مع الأحباب طرد إلى الباب، فإذا وقعت منهم معصية بادروا إلى الاعتذار، و صحبهم الخجل و الانكسار، ثم جدوا في سيرهم و لم يقفوا مع نفوسهم، إذ لا وجود لها في نظرهم و لا التفات لهم إلى الخلق، إذ لم يبق في نظرهم إلا الملك الحق، غابوا بشهود الحق عن رؤية