ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٥٦ - ٢٣٤ - متى آلمك عدم إقبال الناس عليك، أو توجههم بالذم إليك فارجع إلى علم الله فيك، فإن كان لا يقنعك علمه فيك فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه أشد من مصيبتك بوجود الأذى منهم
العقوبة لديه انتهى. قال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه: و فيه إشعار بأن العالم غير المتقي ليس بوارث، و فيه نظر، لأن إفساد الموروث و العمل به في غير حق لا يخرج عن كون الوارث وارثا، و العقوق لا ينفي النسب، لكن يقال فيه: وارث سوء، و قد أثبت اللّه العلم لمن يخشاه، و ما نفاه عن من لم يخشه انتهى. قلت: و قد يقال: الموروث عن الأنبياء هو غاية العلم و ثمرته، و هي الخشية و المعرفة به لا مجرد الرسوم، لأن ذلك واسطة، فإذا لم يحصل الموسوط فلا عبرة بالواسطة، فإذا لا وراثة لعالم الرسوم، إذ ليست مقصودة بالذات. و قد كان الشيخ الولي الكبير ابن أبي جمرة يقول في علماء وقته: إنما هم معلمون، يعني أنهم محترفون بحرفة العلم، فهم صناع و ليسوا بعلماء، و اللّه تعالى أعلم. و قد أشبع الشيخ ابن عباد الكلام في هذا الموضع، فليطالعه من أراد تخليص نفسه من حجة العلم، و باللّه تعالى التوفيق. و من علامة العلم النافع: القناعة بعلم اللّه، و الاكتفاء بنظره، و ثمرة القناعة عدم المبالاة بذم الناس و مدحهم، و إقبالهم و إدبارهم، اكتفاء بعلم اللّه و نظره، كما أبان ذلك بقول:
٢٣٤- متى آلمك عدم إقبال الناس عليك، أو توجههم بالذم إليك فارجع إلى علم اللّه فيك، فإن كان لا يقنعك علمه فيك فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه أشدّ من مصيبتك بوجود الأذى منهم.
قلت: إذا سلّط اللّه عليك خلقه ليختبرك هل أنت غني به أو بخلقه؟ فأدبروا عنك أو اشتغلوا بذمك و شتمك، ثم توجعت من ذلك، فارجع إلى علم اللّه فيك و اطلاعه عليك، إذ لا يخفى عليه شيء من أمرك، فإن كفاك ذلك و قنعت به و أنست بذكره أو شهوده استوى عندك ذمهم و مدحهم و إقبالهم و إدبارهم، بل ربما آثرت إدبارهم، إذ فيه راحتك و تفريغ قلبك مع ربك، فإن لم تقنع بعلم اللّه و لم تكتف بنظره، و تأسف على إدبارهم، أو تألمت من أذاهم، فمصيبتك بضعف إيمانك و ذهاب يقينك أشد من مصيبة ذم الناس و إدبارهم عنك، لأن هذا موجب لسخط اللّه و غضبه، و سقوطك من عين محبته. و أما إذاية الخلق و بعدهم عنك فرحمة