ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٧٥ - ٣٥٩ - إلهي كيف أعزم و أنت القاهر؟ أم كيف لا أعزم و أنت الآمر؟
|
حسب المحب فناؤه عما سوى |
محبوبه إن حاضر و مغيب |
|
ثم إن عزم العبد على الطاعة ليس هو بيده حقيقة لكنه مأمور به شرعا، و هو الذي نبه عليه في المناجاة السادسة عشرة بقوله:
٣٥٩- إلهي كيف أعزم و أنت القاهر؟ أم كيف لا أعزم و أنت الآمر؟.
قلت: محبة الطاعة و العزم عليها و العمل بها ليس هو من قدرة العبد و فعله في الحقيقة، و هو مأمور به من جهة الشريعة لتقوم الحجة و تظهر المحجة. قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام: ١٤٩]، إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [النساء: ٤٠]. فمن نظر إلى الباطن وجد العبد مجبورا، و من نظر إلى الظاهر وجده غير معذور، فالواجب على الإنسان و خصوصا العارف أن ينظر بعين الحقيقة لبواطن الأمور، فيعذر الخلق لأنهم مجبورون في قوالب مختارين، و ينظر بعين الشريعة لظواهر الأمور، فينفذ الحقوق و يقيم الحدود سترا لسر الربوبية، و إظهارا لوظائف العبودية، لكن ذلك بلطف و لين قلبه يحن عليه، و ظاهره يغلظ عليه كالعبد يؤدب ابن سيده، و هذا مضمن هذه المناجاة أي كيف أعزم على الطاعة و أعقد عليها و أنت القاهر لي، فلا طاقة لي على فعلها و أنت تقهرني عنها، و هذه هي الحقيقة، و كيف لا أعزم عليها و أنت الآمر لي بها، فإن لم أعزم عليها عذبتني، و هذه هي الشريعة، فالواجب أن أعزم و أنظر ما تفعل، فإن وفقتني للعمل، فأنت أهل التقوى و أهل المغفرة، و إن لم توفقني، فأنت أهل العفو و المعذرة، و أنت الفاعل المختار، فالأمر أمرك، و العبيد عبيدك. وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً [يونس: ٩٩]، وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً [هود: ١١٨]. قال الشطيبي رحمه اللّه: أراد المؤلف أن يدل المريدين على مقام الجمع بين الحقيقة و الشريعة؛ لأن عزم العبد مطلوب منه شريعة، و نتيجته مسلوبة منه في الحقيقة، و لا يثبت بينهما إلا من ثبته اللّه،