ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٦١ - ٣٥٢ - إلهي ما أقربك مني و ما أبعدني عنك، و ما أرأفك بي، فما الذي يحجبني عنك
فلو شئت أن أعجل عقوبتهم لما أمهلتهم طرفة عين، و أعلمهم أنه من تاب إلى قبلته، و من تمادى أمهلته، و من عصاني عذبته، يا موسى من ذا الذي قصدني صادقا فخيبته، أو لجأ إلي فأسلمته، أو سألني فمنعته، أو رجع إلي فطردته، أو تاب إلي و ما قبلته، أو تضرع إلي و ما رحمته، انتهى. و لما أنزل اللّه تعالى: وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠].
قال سيدنا علي كرم اللّه وجهه: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «يا علي من آخذه اللّه بذنبه في الدنيا فهو أكرم من أن يعذبه عليه في الآخرة، و من عفا عنه في الدنيا فهو أعز من أن يعاقبه في الآخرة، و من ستره في الدنيا فهو أجل من أن يفضحه في الآخرة». قال علي: فكانت عندي خيرا من الدنيا و ما فيها، و أنشدوا:
|
سبحان من أبدع الأشيا و قدرها |
و من يجود على العاصي و يستره |
|
|
يخفي القبيح و يبدي كل صالحة |
و يغمر العبد إحسانا و يشكره |
|
و لما كان اللطف يقتضي التهذيب، و الرحمة تقتضي التقريب، تعجب الشيخ من شدة قرب الحق للعبد مع شدة بعد العبد عنه، فقال في المناجاة التاسعة:
٣٥٢- إلهي ما أقربك مني و ما أبعدني عنك، و ما أرأفك بي، فما الذي يحجبني عنك.
قلت: قرب الحق من العبد قرب رحمة و اجتباء، و تقريب و اصطفاء، هذا في حق الخواص، و في حق العوام هو قرب إحاطة و قدرة، و علم و مشيئة و تصريف و قهرية، و المراد هنا هو الأول، فإن بعد العبد من ربه إنما هو بسوء أدبه، و إلا فالحق تعالى قريب من كل شيء، محيط بكل شيء، ليس شيء أقرب إليه من شيء، و لا شيء أبعد عليه من شيء، و ما بعد العبد من ربه إلا و همه و سوء فعله، و لذلك قال الشيخ تواضعا و أدبا: إلهي ما أقربك مني بلطفك و رأفتك و علمك