ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٩٤ - ١٢٦ - منعك أن تدعي ما ليس لك مما هو للمخلوقين، أفيبيح لك أن تدعي وصفه و هو رب العالمين؟
منهم مقالات تستخرجها القدرة منهم، فيظن الجاهل بحالهم أن ذلك دعوى و ظهور، و ليس كذلك و إنما ذلك رشحات من قوة الباطن لا قدرة لهم على إمساكها، منها ما يكون تحدثا بالنعم، و منها ما يكون نصحا للعباد، ليعرفوا حالهم فينتفعون بهم في طريق الإرشاد، و من هذا الأمر رفضهم كثير من أهل الظاهر المتعمقون في العبادة أو المتجمدون على ظاهر الشريعة أو من لم تطل صحبته معهم في الطريقة و إن كان كاملا. و من ذلك ما وقع للشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه مع أبي المواهب التونسي رضي اللّه تعالى عنه حين ظهرت عليه آثار القوة الباطنية حتى قال فيه الشيخ زروق: دعواه أكبر من قدمه.
و ليس كذلك، فإن الشيخ أبا المواهب عظيم الشأن راسخ القدم في العرفان أخذ عن أبي عثمان المغربي، و كان يقول: لبست خرقة التصوف من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم، و له شرح حسن على الحكم إلا أنه لم يكمل، و له كلام رائق نظما و نثرا، و من نظمه رضي اللّه تعالى عنه:
|
من فاته منك وصل حظّه النّدم |
و من تكن همّه تسمو به الهمم |
|
|
و ناظر في سوى معناك حقّ له |
يقتصّ من جفنه بالدمع و هو دم |
|
|
و السمع إن جال فيه من يحدّثه |
سوى حديثك أمسى و قره الصّمم |
|
|
في كلّ جارحة عين أراك بها |
منّي و في كلّ عضو بالثّناء فم |
|
|
فإن تكلّمت لم أنطق بغيركم |
و كلّ قلبي مشغوف بحبّكم |
|
|
أخذتم الرّوح منّي في ملاطفة |
فلست أعرف غيرا مذ عرفتكم |
|
|
نسيت كلّ طريق كنت أعرفها |
إلا طريقا تؤدّيني لربعكم |
|
|
فما المنازل لو لا أن تحلّ بها |
و ما الديار و ما الأطلال و الخيم |
|
|
لولاك ما شاقني ربع و لا طلل |
و لا سعت بي إلى نحو الحمى قدم |
|
و أطال الشعراني في ترجمته في الطبقات بما يدل على كمال خصوصيته و تمام ولايته، و ما حمل الشيخ زروق على مقالته تلك إلا القوة التي صدرت من أبي المواهب، مع كونه لم تطل صحبته معه، مع ما صدر منه في جانب الشيخ ابن