ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٨٦ - ١٢٣ - إذا أراد أن يظهر فضله عليك خلق فيك و نسب إليك
و قال تعالى: كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ [عبس: ٢٣]، أي لم يقض الإنسان ما أمره سيده على الوجه الذي أمره به، و انظر قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا [الأحقاف: ١٦]. و لم يقل الحق تعالى نتقبل منهم، لأنه يقتضي أنه كامل بل عداه بعن المفيدة للتجاوز كأنه قال: أولئك الذين نتجاوز عنهم في أحسن ما عملوا فنتقبلها منهم، و لو لم يتجاوز عنهم فيها ما تقبلت منهم، و لكن الكريم لا ينتقد بل يقبل كل ما يعطاه لعظيم كرمه و غناه.
فالحمد دائما للّه حيث خلق فينا العمل و أعطانا عليه غاية المنى و الأمل، كما أشار إلى ذلك بقوله:
١٢٣- إذا أراد أن يظهر فضله عليك خلق فيك و نسب إليك.
قلت: الحق تعالى فاعل بالمشيئة و الاختيار: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ [الأنبياء: ٢٣]، أي لا يسأل عما يفعل حقيقة و هم يسألون شريعة.
ثم إن الحق سبحانه و تعالى قسم عباده على ثلاثة أقسام: قسم: أعدهم للانتقام، فأظهر فيهم اسمه المنتقم و اسمه القهار، أجرى عليهم صورة العصيان بحكمته، و نسبها إليهم بعدله و قهره، وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ [الأنعام: ١١٢]، لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا [الأنعام: ١٠٧]، فقامت الحجة عليهم باعتبار النسبة و إظهار الحكمة: وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦]، وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل: ١١٨]. و قسم: أعدهم اللّه للحلم، ليظهر فيه اسمه الحليم و اسمه الرحيم، أجرى عليهم العصيان، و حلاهم بالإيمان فاستحقوا العقوبة على العصيان، ثم إن الحق تعالى حلم عليهم و عفا عنهم و أدخلهم الجنان. و قسم:
أعدهم اللّه للكرم، ليظهر فيهم اسمه الكريم و اسمه الرحيم، خلق فيهم الطاعة و الإحسان، و حلاهم بالإسلام و الإيمان، و ربما زادهم التجلي بالإحسان، فأدخلهم فسيح الجنان و متعهم بالنظر إلى وجه الرحمن، فإذا أراد اللّه تعالى أن