ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٤٩ - ٢٢٧ - إن أردت ألا تعزل فلا تتول ولاية لا تدوم لك
بعض الكتب المنزلة: «إن أهون ما أصنع بالعالم إذا مال إلى الدنيا أن أسلبه حلاوة مناجاتي» انتهى. و إنما كانت الكفاية نعمة، و الزيادة عليها نقمة كما قال الشيخ، لأن النفوس مجبولة على حب العطاء و كراهية الفقد، فإذا أعطاها فرحت، و إذا أزال عنها حزنت، فمن أراد أن يدوم فرحه فلا يأخذ فوق كفايته ما يحزن على فقده، كما أبان ذلك بقوله:
٢٢٦- ليقلّ ما تفرح به يقلّ ما تحزن عليه.
قلت: فإذا أردت أن يدوم سرورك فلا تملك شيئا تحزن على فقده؛ لأن حزنك على فقده دليل محبتك له، فإذا اقتصرت على الضرورة و الحاجة من مال أو جاه أو عز أو غير ذلك، فلا تجد ما تفقده حتى تحزن عليه. قيل لبعضهم: لم لا تغتم؟ قال: لأني لا أقتني ما يغمني، و في ذلك قيل:
|
و من سرّه ألا يرى ما يسوؤه |
فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا |
|
|
فإنّ صلاح المرء يرجع كله |
فسادا إذا الإنسان جاز به الحدّا |
|
يحكى أنه رفع لبعض الملوك قدح من فيروزج مرصع بالجوهر لم ير له نظيرا، ففرح به الملك فرحا شديدا، فقال لبعض الحكماء عنده: كيف ترى هذا؟ فقال: أراه مصيبة و فقرا، فقال:
كيف ذلك؟ فقال: إن انكسر كان مصيبة لا صبر لها، و إن سرق صرت فقيرا إليه و لم تجد مثله، و قد كنت قبل أن يحمل إليك في أمن من المصيبة و الفقر، فاتفق انكسار القدح فعظمت مصيبة الملك به. فقال: صدق الحكيم ليته لم يحمل إلينا انتهى. و هنا ميزان آخر أحسن من هذا و هو أنك إذا أطلقت من نفسك، و جعلتها غرضا لسهام أقدار ربك، لا تعارضه فيما يفعل بك، لا شك أنك تستريح و يدوم فرحك، لأنك حينئذ منتظر ما يبرز من عند الحبيب، فنتلقاه بالرضا و الترحيب، و هذه حلاوة برد الرضا و التسليم، فإن صحبها شهود الفاعل المختار فهو النعيم المقيم و هذه هي الولاية الكبرى، من تقلدها لا يعزل عنها أبدا، كما أشار إلى ذلك بقوله:
٢٢٧- إن أردت ألا تعزل فلا تتولّ ولاية لا تدوم لك.
قلت: الولاية التي لا تدوم هي الولاية التي تأتي من جهة الفرق، و هي ولاية الخلق كخطة السلطنة و القضاء و القيادة و غير ذلك من الخطط التي قلدها اللّه بعض عباده، و يدخل فيها أيضا