ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٧٥ - ٦٦ - من جهل المريد أن يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه فيقول لو كان هذا سوء أدب لقطع الأمداد، و أوجب البعاد، فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر، و لو لم يكن إلا منع المزيد و قد تقام مقام البعد و أنت لا تدري، و لو لم يكن إلا أن يخليك و ما تريد
و ما تركن إليه نفسه من علامة الاعتناء و الإقبال. فإذا اعتنى اللّه تعالى بعبد، و أراد أن يوصله إلى حضرته شوش عليه كل ما تركن إليه نفسه، و أزعجه طوعا أو كرها حتى يؤيسه من هذا العالم، و لم يبق له ركون إلى شيء منه، فحينئذ يصطفيه لحضرته، و يجتبيه لمحبته، فليس له حينئذ عن نفسه إخبار و لا مع غير اللّه قرار. و أصل ذلك قضية سيدنا موسى ٧ لما علم اللّه تعالى محبته لعصاه و ركونه إليها، قال له الحق تعالى: وَ ما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى* قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَ أَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَ لِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى [طه ١٧: ١٨]، أي حوائج أخر، قال له: أَلْقِها يا مُوسى* فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى [طه ١٩: ٢٠]، فلما فرّ عنها، و قطع يأسه منها، قال له: خُذْها وَ لا تَخَفْ [طه: ٢١]، لأنها لا تضرك حيث رجعت إليها باللّه و يقال للفقير:
و ما تلك بيمينك أيها الفقير فيقول: هي دنياي أعتمد عليها و أقضي بها مآربي فيقال له: ألقها من يدك، فإذا هي حية تسعى كانت تلدغه و هو لا يشعر، فإذا أيس منها و استأنس باللّه و اطمأن به، قيل له: خُذْها وَ لا تَخَفْ [طه: ٢١]، لأنك تأخذها باللّه لا بنفسك، و اللّه تعالى أعلم. و مواطن الآداب التي يخل بها المريد[١]، فيعاقب عليها ثلاثة: آداب مع اللّه و رسوله، و آداب مع الشيخ، و آداب مع الإخوان. فأما الآداب مع اللّه باعتبار العوام فبامتثال أمره و اجتناب نهيه، و مع رسوله باتباع السنة و مجانبة أهل البدعة، فإذا قصروا في الأمر أو خالفوا في النهي عوقبوا عاجلا في الحس أو آجلا في المعنى و الحس، و باعتبار الخواص مع اللّه بالإكثار من ذكره، و مراقبة حضوره، و إيثار محبته، زاد الشيخ زروق: و حفظ الحدود و الوفاء بالعهود و التعلق بالملك الودود و الرضا بالموجود
[١] - في العبارة اضطراب؛ فمفتتح الكلام عن الآداب التي يخل بها المريد و لا يدخل في لفظ المريد" خواص الخواص" فكان ينبغي أن يكون التعبير" بآداب الصوفي" لا" آداب المريد" لأن تقسيم الصوفي إلى مريد و خاص و خاص الخاص، أما تقسيم المريد هذه القسمة فمتعذر لا سيما و الكلام يتناول أحوال الأكابر من أمثال سيدي أبي العباس المرسي نفعنا اللّه به.